فتح الله حافظي
ما إن تُعْلَنُ نتائج الامتحانات الإشهادية، حتى تنطلق بعض المؤسسات التعليمية الخصوصية في سباق محموم نحو صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. صور للمتفوقين تتصدر الصفحات، وعبارات التهاني تتوالى، ومنشورات توحي بأن النجاح لم يولد إلا داخل أسوار تلك المؤسسات، وأنها وحدها من صنعته.
لا أحد يعترض على الاحتفاء بالمتفوقين، بل إن من حقهم أن يفرحوا بثمار سنة كاملة من الجد والاجتهاد. لكن ما يثير الاستغراب هو أن يتحول ذلك النجاح، في بعض الحالات، إلى مادة إشهارية، وإلى وسيلة لاستقطاب تسجيلات جديدة، وكأن المؤسسة وحدها صاحبة الفضل فيه، بينما يختفي من المشهد كل من شارك في صنع تلك اللحظة.
فالحقيقة التي لا تظهر في الصور أكثر بساطة وأكثر إنصافا. فخلف كل تلميذ متفوق أسرة دفعت من وقتها وراحتها قبل أن تدفع من مالها. آباء وأمهات تحملوا أعباء إضافية، واقتطعوا من ميزانية البيت ما يكفي لأداء تكاليف الدروس الخصوصية والساعات الإضافية، في زمن أصبحت فيه كل زيادة في المصاريف عبئا حقيقيا. ولم يكن ذلك رفاهية، بل ضرورة فرضها واقع تعليمي بات كثير من الأسر يعتقد أن ما يقدم داخله، مهما بلغت رسومه، لا يكفي وحده لتحقيق التفوق.
وهنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح: إذا كانت المؤسسة التعليمية هي التي تصنع التفوق فعلا، فلماذا أصبحت الدروس الخصوصية جزءا من المسار الدراسي لعدد كبير من تلامذتها؟ ولماذا لا يغادر التلميذ قسمه وهو مطمئن إلى أن ما تلقاه داخله يكفيه للوصول إلى النتائج التي يحلم بها؟
الواقع يقول إن النجاح لا يصنعه طرف واحد. إنه حصيلة رحلة طويلة، يتقاسمها المتعلم باجتهاده، والأسرة بتضحياتها، والأساتذة الذين رافقوه داخل المؤسسة وخارجها. لذلك يصبح من غير المنصف أن تختزل كل هذه الجهود في شعار إشهاري أو صورة منشورة على صفحة فيسبوك.
ولا أحد ينكر أن بين مؤسسات التعليم الخصوصي مؤسسات جادة ومحترمة، تؤدي رسالتها التربوية بكفاءة، وتسهم بصدق في تكوين أجيال من المتفوقين. لكن ذلك لا يمنح أي مؤسسة حق احتكار النجاح أو تقديمه للرأي العام باعتباره إنجازا خاصا بها وحدها. فالنجاح لا يوقع باسم مؤسسة، بل يحمل بصمات كل من ساهم في صناعته.
المؤسسة التي تستحق فعلا أن تفتخر بعملها ليست تلك التي تملأ الفضاء الرقمي بصور الناجحين بعد إعلان النتائج، وإنما تلك التي تجعل الدروس الخصوصية استثناء لا قاعدة، وتجعل القسم الدراسي فضاء كافيا لاكتساب المعارف وتحقيق التفوق دون أن تضطر الأسر إلى أداء فاتورة تعليم مواز.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد اللافتات المعلقة على واجهات المؤسسات، ولا بعدد المنشورات التي تحصد الإعجابات، بل يقاس بمدى قدرة المدرسة على أداء رسالتها كاملة داخل الفصل، قبل أن يبحث التلميذ عنها خارجه.
ويبقى السؤال الذي لا تستطيع الحملات الإشهارية أن تجيب عنه: إذا كانت المؤسسة هي من تصنع المتفوقين، فلماذا أصبحت الدروس الخصوصية ضرورة بالنسبة إلى عدد كبير من تلامذتها؟
وحين يصبح القسم الدراسي وحده كافيا لصناعة التفوق، وحين تعود الأسرة إلى بيتها دون أن تثقلها مصاريف الدعم والساعات الإضافية، سيكون من حق أي مؤسسة أن تنسب النجاح إليها بكل فخر. أما قبل ذلك، فإن تحويل نتائج التلاميذ إلى إعلانات إشهارية لا يغير الحقيقة في شيء، لأن النجاح، في النهاية، ليس ملكا لأحد، بل ثمرة تعب تقاسمها كثيرون، ولكل واحد منهم نصيب مستحق من الفرح.



















