التقاعد في الوظيفة العمومية… حين تغادر الخبرة دون أن تترك أثرها

منذ 6 ساعات
التقاعد في الوظيفة العمومية… حين تغادر الخبرة دون أن تترك أثرها

الحسين غوات

إن إحالة نحو 70 ألف موظف مدني على التقاعد خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2030، وفق معطيات تقرير الموارد البشرية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، ليست مجرد أرقام في جداول إدارية، بل إنذار حقيقي بشأن مستقبل المرفق العمومي، وقدرته على ضمان استمرارية الخدمات ونقل الخبرات المتراكمة بين الأجيال. فحين يغادر آلاف الموظفين قطاعات حيوية، كالتعليم والصحة والداخلية والتعليم العالي، لا تفقد الإدارة مناصب شغل فقط، بل قد تفقد معها رصيداً من المعرفة العملية والتجربة الميدانية والمهارات التي لا تختزلها الشهادات ولا تعوضها التوظيفات الجديدة في وقت وجيز.

وتزداد خطورة الوضع عندما تتزامن الإحالات على التقاعد مع حذف المناصب المالية، بما قد يفاقم الخصاص ويثقل كاهل الموظفين المتبقين، ويؤثر في جودة الخدمات وسرعة معالجة الملفات. إن المشكلة ليست في التقاعد، فهو حق مشروع بعد سنوات من العطاء، بل في غياب التخطيط الاستباقي الذي يجعل مغادرة الموظف انتقالاً منظماً للمعرفة، لا انقطاعاً مفاجئاً لها. فالخبرة التي لا تُوثق، ولا تُنقل، ولا تُستثمر في تكوين الخلف، تتحول إلى خسارة صامتة تتحمل الإدارة والمواطن كلفتها.

والحل يقتضي اعتماد سياسة وطنية لتدبير الأجيال والمهارات، تقوم على إعداد خريطة استشرافية للإحالات على التقاعد حسب القطاعات والتخصصات، وربطها بحاجيات التوظيف، وإحداث آليات للتكوين والتأطير ونقل الخبرة بين الموظفين المغادرين والوافدين الجدد، عبر المصاحبة المهنية والتوثيق الرقمي للمساطر والتجارب. كما ينبغي إعادة النظر في حذف المناصب المالية بصورة آلية، بما يضمن تعويض الخصاص في الوظائف الحيوية، وتثمين الخبرات المتخصصة وفق ضوابط قانونية واضحة.

إن إصلاح الإدارة لا يبدأ فقط بتوظيف كفاءات جديدة، بل بحسن تدبير الكفاءات الموجودة وضمان انتقال خبرتها. فالموظف المتقاعد يغادر منصبه، لكنه لا ينبغي أن يأخذ معه ذاكرة المؤسسة. وبين حق الأجيال في التقاعد وحق المواطنين في خدمة عمومية ذات جودة، تظل مسؤولية الدولة هي التخطيط للمستقبل، حتى لا يتحول نزيف الخبرات إلى نزيف في أداء المرافق العمومية وثقة المواطن فيها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.