إقليم سطات : “تنكافت” والحملة الانتخابية السابقة لأوانها

منذ ساعتين
إقليم سطات : “تنكافت” والحملة الانتخابية السابقة لأوانها
فتح الله حافظي/ الصورة مركبة

في إقليم سطات، لم تعد ملامح الحملة الانتخابية تُخفى حتى وإن لم تُعلن رسميا. فهناك حركية تجري في الظل، تُستعمل فيها بعض المنابر الإعلامية الموجَّهة والمخدومة لتسويق وجوه معينة، وتقديمها للرأي العام المحلي باعتبارها شخصيات استثنائية أو “مشاريع قادة” للمستقبل. إنها عملية إعداد مبكر لمرشحين جرى الاستثمار في صورتهم بعناية، عبر آليات دعائية تتخفى أحيانا وراء قناع العمل الإعلامي أو الجمعوي أو “الاهتمام بالشأن المحلي”.

ولم يعد الأمر يقتصر على التغطيات المبالغ فيها أو نشر الأخبار التمجيدية، بل امتد أيضا إلى ما يمكن تسميته بـ”الاستجوابات تحت الطلب”، حيث تتحول بعض الحوارات الصحفية إلى منصات دعائية مقنعة، تُطرح فيها أسئلة مفصلة بعناية لخدمة صورة الضيف، لا لمساءلته أو محاورته بجدية. أسئلة ناعمة، خالية من الإحراج، تُفتح فيها الأبواب واسعة أمام لغة التمجيد واستعراض “الإنجازات”، بينما يتم تغييب أي نقاش حقيقي حول المسؤولية السياسية أو الفشل أو التناقضات.

إنها استجوابات لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تسعى إلى صناعة الانطباع. يتحول فيها الصحفي، أو من يقدم نفسه كذلك، إلى منشط للعلاقات العامة، بينما يتحول الضيف إلى “بطل إعلامي” تُصنع له هالة مصطنعة استعدادا للمواعيد الانتخابية المقبلة. وهكذا يُفرَّغ العمل الصحفي من جوهره النقدي والرقابي، ويُختزل في وظيفة تلميعية تخدم أصحاب النفوذ والمال والطموحات الانتخابية.

ولعل أكثر ما يثير السخرية في هذه الحملات المقنَّعة هو ذلك الترديد المستمر لعبارة جاهزة مفادها أن هذا “المرشح المرتقب” قد أربك أو سيربك الساحة السياسية الإقليمية وحساباتها، وكأن الأمر يتعلق بحدث استثنائي سيقلب موازين التاريخ المحلي، لا بمجرد إعادة إنتاج لنفس الوجوه ونفس الحسابات الضيقة. إنها لازمة دعائية تُستعمل لصناعة وهم القوة والتأثير، ولإقناع الرأي العام بأن الإقليم يعيش على وقع “زلزال سياسي” مرتقب، بينما الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة يزداد تهميشا واختناقا.

الأخطر أن هذه الممارسات لا تسيء فقط إلى أخلاقيات الإعلام، بل تساهم بشكل مباشر في تعميق فقدان الثقة لدى المواطنين، خصوصا الشباب. فالشباب الذي يتابع هذه الحوارات المصنوعة بعناية، ويدرك حجم التواطؤ بين بعض المنابر وبعض الطامحين إلى السلطة، يزداد اقتناعا بأن المشهد السياسي والإعلامي تحكمه المصالح لا المبادئ، والتسويق لا الحقيقة، والمال لا الكفاءة.

وهكذا يتعمق العزوف السياسي يوما بعد يوم. لأن الشباب لم يعد يرى في الإعلام المحلي سلطة رقابية مستقلة تدافع عن قضاياه، بل يرى جزءا منه وقد تحول إلى ذراع دعائية داخل معركة انتخابية مبكرة، الأولوية فيها لمن يدفع أكثر. وحين يفقد الإعلام مصداقيته، تفقد السياسة جزءا كبيرا من معناها، لأن المواطن يصبح عاجزا عن التمييز بين الخبر والدعاية، بين الحوار الصحفي والإشهار السياسي المقنع.
في هذا المناخ، تُصنع الزعامات الوهمية داخل الاستوديوهات والصفحات والمواقع المخدومة، لا داخل ميادين النضال والعمل الميداني الحقيقي. ويتم تقديم بعض الأسماء باعتبارها “صوت الشعب”، بينما هي في الواقع نتاج تحالفات مصالح وشبكات نفوذ تعرف جيدا كيف تستثمر الإعلام لصناعة الحضور والهيمنة الرمزية.
إن ما يحدث في سطات يعكس أزمة أعمق تعيشها الحياة السياسية والإعلامية معا. فحين يصبح الإعلام تابعا للمال وللحسابات الانتخابية، تتحول الديمقراطية نفسها إلى واجهة شكلية، لأن الرأي العام يجري توجيهه وصناعته بدل أن يتشكل بحرية ووعي نقدي.

لهذا، فإن مواجهة هذه الرداءة لا تتعلق فقط بفضح الحملات السابقة لأوانها، بل أيضا بالدفاع عن إعلام حر ومستقل، قادر على مساءلة الجميع دون خوف أو تبعية، وقادر على إعادة الثقة للمواطن، وخاصة للشباب الذي صار يشعر أن السياسة والإعلام كلاهما يداران من خلف الستار لخدمة نفس المصالح ونفس الوجوه التي تعيد إنتاج الأزمة جيلا بعد جيل.

وإذا استمر منطق “الاستجوابات تحت الطلب” و”الإعلام المخدوم” و”تنكافت” الانتخابية المبكرة، فإن النتيجة ستكون مزيدا من العزوف، ومزيدا من فقدان الثقة، ومزيدا من هيمنة المال والزبونية على الحياة العامة. وحينها لن تكون الخسارة خسارة انتخابات فقط، بل خسارة الوعي الديمقراطي نفسه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة