أثارت مناسبة عيد الأضحى الأخير نقاشاً واسعاً في المغرب خصوصا حول وضعية القطيع الوطني، بعدما اصطدم المواطنون بندرة واضحة في الأكباش وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، في مقابل معطيات رسمية سابقة تحدثت عن وفرة كبيرة في الثروة الحيوانية. هذا التناقض لم يعد مجرد جدل ظرفي، بل تحول إلى سؤال جوهري حول مصدر الأرقام ومدى انسجامها مع الواقع الميداني
.
فقد سبق لرئيس الحكومة عزيز أخنوش أن تحدث عن بلوغ القطيع الوطني حوالي 40 مليون رأس من الأغنام، وهو رقم كان يُفترض أن ينعكس على وفرة العرض داخل الأسواق. غير أن ما وقع خلال الموسم كشف واقعاً مغايراً، اتسم بندرة في الأضاحي وارتفاع حاد في الأسعار، ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: أين هو القطيع فعلياً؟
هنا تتعاظم المفارقة بشكل لافت. فمؤسسة ONSSA تُظهر خلال فترة العيد قدرة تنظيمية واضحة، من خلال تعبئة مئات الأطر البيطرية، ومعالجة آلاف الشكايات والاتصالات، والتدخل الميداني في المنازل والأسواق، وهو ما يعكس جهازاً تقنياً قادراً على جمع المعطيات في الزمن الحقيقي تقريباً. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: إذا كانت هذه المؤسسة قادرة على هذا المستوى من التتبع خلال أيام معدودة، فلماذا لا تقدم للرأي العام توضيحاً دقيقاً حول مصير القطيع نفسه؟
إن النقطة الحاسمة هنا أن نفس المؤسسة التي تُشرف على عمليات الترقيم والمراقبة البيطرية للأغنام، وتملك قاعدة بيانات ميدانية بحكم تدخلاتها اليومية، هي أيضاً المؤهلة نظرياً لتقديم صورة واضحة حول تطور القطيع: هل تقلص؟ هل تم تحويله نحو مسارات تجارية مختلفة؟ أم أن هناك خللاً في عملية الترقيم والتسجيل أصلاً؟
لكن ما يحدث هو العكس: وفرة في المعطيات حول “ما جرى في العيد”، مقابل غياب شبه تام لتفسير “ما جرى للقطيع”. وهذا الفراغ المعلوماتي هو ما يغذي شعور “اختفاء القطيع” كتوصيف شعبي لحالة عدم الفهم أكثر من كونه حكماً نهائياً.
وبين مؤسسة قادرة على إنتاج أرقام لحظية حول تدخلاتها، وملف استراتيجي بحجم الثروة الحيوانية يظل غامضاً، تتعمق أزمة الثقة في المنظومة الإحصائية. فالمسألة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت سؤالاً حول الشفافية: إذا كانت المعطيات موجودة، فلماذا لا تُعرض كاملة وبوضوح يفسر ما يعيشه



















