هل أخطأت المعارضة المغربية التي وجهت سهام النقد للحكومة أم مارست وظيفتها الدستورية؟

منذ 3 ساعات
هل أخطأت المعارضة المغربية التي وجهت سهام النقد للحكومة أم مارست وظيفتها الدستورية؟

بقلم: عثمان باقة

أثارت التصريحات الحكومية التي اتهمت المعارضة باستغلال أحداث النزوح الجماعي نحو سبتة ومليلية المحتلتين نقاشا سياسيا ودستوريا مهما، يتجاوز الواقعة في حد ذاتها ليطرح سؤالا أعمق يتعلق بطبيعة النظام الديمقراطي ووظيفة المعارضة داخل الدولة الحديثة. فهل يعتبر انتقاد المعارضة للحكومة أثناء الأزمات سلوكا غير مسؤول؟
أم أن ممارسة النقد السياسي في مثل هذه الظروف تمثل، في جوهرها، إحدى الوظائف الدستورية الأساسية للمعارضة؟
من منظور العلوم السياسية والقانون الدستوري، تبدو الإجابة واضحة: إن المعارضة لا تخرج عن وظيفتها عندما تستثمر الأزمات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية لمساءلة الحكومة، بل إنها تكون، في كثير من الأحيان، أكثر وفاء لدورها الدستوري كلما أحسنت القيام بهذه المهمة. المعارضة ليست جمعية للمساندة. في الأنظمة الديمقراطية لا تنشأ المعارضة لتصفق للحكومة، ولا لتبرر او تمرر قراراتها، ولا لتخفف عنها الضغط السياسي كلما واجهت أزمة. لقد نشأ مفهوم المعارضة البرلمانية مع تطور الديمقراطية التمثيلية باعتبارها مؤسسة دستورية تمارس ثلاث وظائف كبرى: مراقبة عمل الحكومة. مساءلة السياسات العمومية. تقديم بدائل سياسية استعدادا للتداول على السلطة. ولهذا، فإن كل أزمة وطنية، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية أو دبلوماسية او حتى عسكرية، تتحول تلقائيا إلى موضوع للنقاش العمومي وللمحاسبة السياسية. إن الحكومة تعتبر الأزمة اختبارا لقدرتها على التدبير، بينما تعتبرها المعارضة فرصة لاختبار مدى نجاح أو فشل السياسات العمومية. وهذا هو جوهر الديمقراطية. الحكومات تحاسب في الأزمات لا في أوقات الرخاء. يكاد يجمع فقهاء العلوم السياسية على أن الانتخابات لا تحسم غالبا بسبب الإنجازات اليومية، وإنما بسبب طريقة تدبير الحكومات للأزمات الكبرى. ولذلك أصبحت الأزمات لحظات حاسمة في الحياة السياسية للدول الديمقراطية. فعندما ترتفع البطالة، أو تتراجع القدرة الشرائية، أو تقع أزمة هجرة، أو كارثة طبيعية، أو إخفاق أمني، فإن أول من يخرج لانتقاد الحكومة هي المعارضة. ولم يحدث قط أن اتهمت حكومة ديمقراطية المعارضة بأنها “تستغل” الأزمة، لأن الجميع يدرك أن الأزمة نفسها أصبحت موضوعا للمحاسبة الديمقراطية.
إسبانيا: المعارضة لا تنتظر انتهاء الأزمة
إسبانيا تقدم مثالا واضحا. فكلما شهدت البلاد أزمة اقتصادية، أو موجة هجرة، أو فيضانات، أو حرائق، أو أزمات مرتبطة بإقليم كتالونيا، سارعت المعارضة، سواء كانت من الحزب الشعبي أو من الحزب _الاشتراكي عندما كان في المعارضة، إلى تحميل الحكومة المسؤولية السياسية. ولم_ يكن ذلك يعتبر خروجا عن الوطنية، وإنما ممارسة طبيعية للدور الرقابي. بل إن البرلمان الإسباني عرف استعمال ملتمس الرقابة (Moción de censura) أكثر من مرة، وأدى إلى إسقاط حكومة ماريانو راخوي مثلا عام 2018، بعد أن نجحت المعارضة في تجميع الأغلبية البرلمانية حول ملتمس الرقابة. ولم يقل أحد آنذاك إن المعارضة “استغلت” الأزمة، بل قيل إنها مارست حقا دستوريا.
فرنسا: المعارضة تجعل كل أزمة معركة سياسية
في فرنسا، تتحول كل أزمة تقريبا إلى مواجهة داخل الجمعية الوطنية. فاحتجاجات السترات الصفراء، وإصلاح نظام التقاعد، وأعمال الشغب، والهجرة، وحتى تنظيم الألعاب الأولمبية، كلها كانت موضوع انتقادات حادة من المعارضة. وقد تقدمت المعارضة الفرنسية مرات عديدة بملتمسات لحجب الثقة عن الحكومة، خاصة خلال حكومة إليزابيث بورن، بعد اللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور. ورغم أن الحكومة نجت من أغلب تلك الملتمسات، فإن أحدا لم يتهم المعارضة بأنها “تستغل” الأزمات، لأن هذا هو جوهر المنافسة الديمقراطية. الا أن حكومة فرانسوا بايرو قدمت استقالتها وفقا للمادة 50 من الدستور الفرنسي في شتنبر 2025 بعد التصويت على ملتمس الرقابة لتكون اول حكومة في الجمهورية الخامسة تم اسقاطها بعد التصويت على سحب الثقة. وكان السبب المباشر هو قانون المالية الذي رفضته المعارضة.

الولايات المتحدة: المعارضة نشطة وقوية

تكاد المعارضة تجعل من كل أزمة وطنية ملفا سياسيا. فبعد الانسحاب من أفغانستان، تعرض الرئيس جو بايدن لانتقادات غير مسبوقة. وخلال جائحة كوفيد، واجه الرئيس دونالد ترامب انتقادات يومية من الحزب الديمقراطي. وعند وقوع أزمات اقتصادية أو كوارث طبيعية أو إخفاقات أمنية او الدخول في جروب لم يجزها الكونغرس كما هو الحال اليوم مع حرب العدوانية على ايران، او ملفات ابستين، تعقد لجان التحقيق في الكونغرس، وتستدعى الحكومة للمساءلة، وتتحول وسائل الإعلام إلى فضاء للنقاش السياسي المفتوح. ولا يعتبر أحد ذلك استغلالا للأزمات، بل يعتبره ممارسة للديمقراطية. بريطانيا: رئيس الوزراء يواجه المعارضة أسبوعيا أما في المملكة المتحدة، فإن تقليد “أسئلة رئيس الوزراء” داخل مجلس العموم يجعل رئيس الحكومة عرضة، كل أسبوع، لانتقادات مباشرة وقاسية من زعيم المعارضة. ولا توجد أزمة تمر دون مساءلة سياسية حادة. وقد أدت هذه الضغوط السياسية في مناسبات عديدة إلى استقالة رؤساء حكومات أو وزراء دون انتظار الانتخابات. وماذا عن المغرب؟ إذا عدنا إلى الحالة المغربية، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا انتقدت المعارضة الحكومة بعد أحداث سبتة ومليلية، وإنما: هل قامت المعارضة بما يكفي من النقد والمساءلة؟ في الواقع، تبدو المعارضة المغربية، مقارنة بنظيراتها في الديمقراطيات العريقة، معارضة محدودة الفعالية، حتى لا نصفها بالمشلولة.
فجزء منها يفتقر إلى الجرأة السياسية، وجزء آخر يعاني من ضعف التنظيم، بينما يرى عدد من الباحثين والمراقبين أن جزءا من المشهد الحزبي يعيش تحت تأثير توازنات تجعل هامش المبادرة السياسية محدودا. ومهما اختلفت التفسيرات، فإن النتيجة واحدة: المعارضة المغربية لم تستثمر الأزمة بالقدر الذي تستثمر به المعارضات في الديمقراطيات المقارنة.
فالدستور المغربي يمنح المعارضة حق التقدم بملتمس الرقابة لإسقاط الحكومة إذا توفرت الشروط الدستورية اللازمة. وهذه الآلية ليست عملا عدائيا ضد الدولة، وإنما إحدى أهم أدوات الرقابة البرلمانية في الأنظمة الديمقراطية. غير أن التجربة المغربية تكشف أن هذه الآلية بقيت شبه معطلة، سواء بسبب صعوبة توفير النصاب المطلوب، أو بسبب التوازنات السياسية داخل البرلمان، أو بسبب طبيعة المشهد الحزبي. ومن ثم، فإن الأزمة الأخيرة، رغم حجمها السياسي والاجتماعي، لم تترجم إلى مبادرة برلمانية قوية، ولم تفتح نقاشا سياسيا يرقى إلى مستوى الحدث.
ختاما، إن الديمقراطية لا تقاس بمدى انسجام الحكومة مع المعارضة، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل الأزمات إلى لحظات للمحاسبة والتقييم والإصلاح. وإذا كانت الحكومة من حقها الدفاع عن حصيلتها، فإن من حق المعارضة، بل من واجبها الدستوري والسياسي، أن تجعل من كل أزمة موضوعا للمساءلة والنقد وتقديم البدائل. فالمعارضة التي تتجنب انتقاد الحكومة أثناء الأزمات تفقد جزءا كبيرا من مشروعيتها، لأن وظيفتها ليست إدارة السلطة، بل مراقبتها والاستعداد لتداولها. أما في الحالة المغربية، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في أن المعارضة “استغلت” الأزمة، وإنما في أن الحياة السياسية ما زالت في حاجة إلى معارضة أكثر استقلالية، وأكثر جرأة، وأكثر قدرة على استخدام جميع الآليات الدستورية التي يتيحها الدستور، بما فيها ملتمس الرقابة، متى توفرت شروطه، حتى تؤدي المؤسسات أدوارها كاملة في إطار التوازن بين الأغلبية والمعارضة، وهو التوازن الذي يشكل أحد أهم مقومات أي نظام ديمقراطي حديث.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.