من الفلاحة إلى التجارة: هل حان وقت إخضاع أرباح الكسابة للضريبة ؟

28 مايو 2026
من الفلاحة إلى التجارة: هل حان وقت إخضاع أرباح الكسابة للضريبة ؟

في المغرب اليوم، لم يعد من المنطقي الاستمرار في تقديم “الكسابة” باعتبارهم مجرد فئة بسيطة تعيش على هامش الاقتصاد الوطني، أو كطبقة فقيرة تحتاج دائماً إلى الدعم والحماية والإعفاءات. الواقع تغيّر بشكل واضح، وما يقع في أسواق المواشي خلال السنوات الأخيرة كشف حقيقة مختلفة تماماً: نحن أمام قطاع يحقق أرباحاً ضخمة، وأمام فئة واسعة تحولت من نشاط فلاحي معيشي إلى تجارة بملايين الدراهم.

لسنوات طويلة، كان الكساب يربي عدداً محدوداً من الأغنام أو الأبقار إلى جانب أنشطة فلاحية أخرى، ويعتمد على دورة طبيعية للإنتاج والبيع تحقق له الاكتفاء دون أن يتحول الأمر إلى مضاربة أو جشع أو احتكار. أما اليوم، فقد تغيّرت الصورة بالكامل. الدعم العمومي الهائل، والسياسات الفلاحية التي شجعت منطق الربح السريع، حوّلت جزءاً كبيراً من القطاع إلى تجارة موسمية ضخمة تُدر أرباحاً خيالية، خصوصاً في المناسبات الدينية وعلى رأسها عيد الأضحى.

ما عاشه المغاربة هذا الموسم يكفي لفهم حجم التحول الخطير الذي أصاب هذا المجال. أسعار وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وندرة مفتعلة في بعض الأسواق، ولهفة كبيرة على الربح، حتى بدا وكأن المواطن أصبح في مواجهة مباشرة مع شبكات تجارية لا علاقة لها بصورة “الفلاح البسيط” التي يتم استحضارها كلما طُرح النقاش حول الضرائب أو المحاسبة أو مراقبة الأرباح.

ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا يستمر هذا القطاع بعيداً عن أي نظام ضريبي واضح وعادل؟ كيف يمكن لموظف بسيط أن تُقتطع الضرائب من راتبه بشكل مباشر ودقيق، بينما تتحرك ملايين الدراهم داخل أسواق المواشي والحبوب دون مراقبة حقيقية لحجم الأرباح والثروات؟ وهل يعقل أن تكون الدولة عاجزة عن معرفة من يملك مئات أو آلاف الرؤوس من الأغنام والأبقار، ومن يحقق أرباحاً ضخمة كل موسم؟

الدولة تمتلك اليوم كل الوسائل التقنية والإدارية التي تسمح لها بإحصاء الثروة الحيوانية، وربط الدعم بالإنتاج الحقيقي، ومراقبة الأرباح والمعاملات التجارية داخل هذا القطاع. وبالتالي، فإن الحديث عن صعوبة إخضاع هذه الأنشطة للضريبة لم يعد مقنعاً، خاصة في ظل اتساع الفوارق الاجتماعية واستمرار الضغط الجبائي أساساً على الأجراء والطبقة المتوسطة.

إن العدالة الضريبية لا يمكن أن تتحقق إذا بقيت فئات تحقق أرباحاً كبيرة خارج دائرة المساهمة الفعلية في مالية الدولة. المطلوب اليوم ليس محاربة الفلاح الحقيقي أو التضييق على الأنشطة القروية البسيطة، بل وضع حد لتحول بعض القطاعات الفلاحية إلى فضاءات مفتوحة للمضاربة والربح غير المراقب، مع الاستفادة في الوقت نفسه من الدعم العمومي والإعفاءات والتسهيلات.

لقد انتهى زمن التعامل مع كل من يشتغل في تربية المواشي باعتباره “فلاحاً فقيراً”. الواقع الحالي يؤكد أن جزءاً مهماً من هذا القطاع أصبح نشاطاً تجارياً واسع الأرباح، والدولة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإرساء نظام ضريبي عادل يضمن مساهمة الجميع دون استثناء، بدل الاستمرار في تحميل المواطن البسيط وحده كلفة الضرائب والأزمات وارتفاع الأسعار

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.