فاتح ماي.. الكونفدرالية تعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية والحوار الاجتماعي

منذ 3 ساعات
فاتح ماي.. الكونفدرالية تعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية والحوار الاجتماعي
كلاش بريس / الرباط

في فاتح ماي هذه السنة، بدا المشهد النقابي في المغرب وكأنه يعيد طرح أسئلته القديمة بعبارات جديدة، لكن بحدّة أكبر. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل اختارت أن تجعل من المناسبة أكثر من مجرد طقس سنوي للاحتجاج الرمزي، بل فرصة لإعادة تفكيك الواقع الاجتماعي كما تراه: اختلالات متراكمة، وحوار اجتماعي لم يرتقِ بعد إلى مستوى التعاقد الحقيقي.

في الرباط، كانت الشعارات تعبير على أن العلاقة بين السياسات العمومية والواقع المعيشي ما تزال غير متوازنة. الحديث عن “عقد اجتماعي جديد” لم يأتِ كطلب تقني أو مطلب ظرفي، بل كإشارة إلى شعور بأن الإطار الحالي للحوار الاجتماعي لم يعد كافياً لاستيعاب التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.

من زاوية أوسع، تضع الكونفدرالية الأزمة الاجتماعية في قلب النقاش: بطالة تتسع في صفوف الشباب، تراجع في القدرة الشرائية تحت ضغط الغلاء، واتساع فجوة الفوارق الاجتماعية. هذه العناصر، في الخطاب النقابي، ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل علامات على اختلال في آليات توزيع الثروة وغياب أثر النمو المعلن على الحياة اليومية.

الخطاب النقابي لم يتوقف عند حدود التشخيص، بل ذهب إلى مساءلة البنية الاقتصادية ذاتها، عبر الإشارة إلى الفساد والريع والاحتكار باعتبارها عوائق بنيوية تعيد إنتاج نفس الاختلالات. وفي هذا السياق، يُطرح سؤال قديم بصيغة متجددة: إلى أي حد يمكن للحوار الاجتماعي أن يكون أداة لإعادة التوازن إذا ظل محصوراً في دورات موسمية، بدل أن يتحول إلى آلية دائمة ومؤسساتية لتصحيح الاختلالات؟

في المقابل، تبدو مطالب مثل الزيادة في الأجور، وتخفيض الضغط الضريبي على الأجراء، وحماية القدرة الشرائية، وإصلاح أنظمة التقاعد دون المساس بالمكتسبات، كعناوين مركزية تعكس أولويات الفاعل النقابي في هذه المرحلة. وهي مطالب لا تُقدَّم كامتيازات، بقدر ما تُطرح كإعادة ضبط للعلاقة بين الجهد المبذول والعائد الاجتماعي.

كما أن مسألة الحريات النقابية وحق الإضراب تحضر في هذا السياق كخط أحمر، يُنظر إليه باعتباره جزءاً من بنية الديمقراطية الاجتماعية، وليس مجرد تفاصيل تنظيمية قابلة للتأويل.

في الخلفية، يظل البعد السياسي حاضراً، سواء من خلال النقد الموجّه لاختلالات التدبير أو عبر ربط الوضع الاجتماعي العام بخيارات اقتصادية أوسع. وحتى استحضار القضية الفلسطينية في ختام المسيرات، يعكس استمرار تداخل البعد الاجتماعي بالنقابي والسياسي في خطاب المركزيات النقابية التقليدية.

هكذا، لا يبدو فاتح ماي مجرد محطة احتفالية أو احتجاجية معزولة، بل لحظة اختبار لمدى قدرة النموذج الاجتماعي القائم على الاستجابة لتراكم الأسئلة المؤجلة، وعلى رأسها: كيف يُعاد تعريف العدالة الاجتماعية في سياق تتسارع فيه التحولات الاقتصادية، بينما يظل الإحساس بالفجوة قائماً لدى شرائح واسعة من الشغيلة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.