عودة اليسار إلى الواجهة : تحالف استراتيجي يعيد إحياء حلم الوحدة ويؤسس لمرحلة جديدة

3 يونيو 2026
عودة اليسار إلى الواجهة : تحالف استراتيجي يعيد إحياء حلم الوحدة ويؤسس لمرحلة جديدة

الدارالبيضاء:كلاش بريس

خمس سنوات كاملة مرت منذ أن اختار الحزب الاشتراكي الموحد خوض انتخابات 2021 منفردا، في خطوة هزّت البيت اليساري وأثارت موجة واسعة من التساؤلات حول مستقبل مشروع الوحدة. واليوم، وبعد سنوات من التباعد والتجاذب، يبدو أن إدراك حجم التحديات السياسية والاجتماعية أعاد ترتيب الأولويات، ودفع الأطراف المعنية إلى طي صفحة الخلاف وفتح أفق جديد للعمل المشترك.

فمن مقر فيدرالية اليسار الديمقراطي، أعلن الحزبان، صباح الأربعاء، عن تحالف جديد وصفه الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد عبد السلام العزيز بأنه تحالف استراتيجي من أجل مستقبل اليسار ومستقبل البلاد، وليس مجرد ترتيبات انتخابية عابرة أو اتفاق ظرفي تفرضه استحقاقات شتنبر المقبلة.

أهمية ما جرى لا تكمن فقط في عودة التواصل بين تنظيمين فرّقتهما حسابات وتقديرات سياسية مختلفة قبل خمس سنوات، بل في الرسالة السياسية التي يحملها هذا التقارب. فالتجربة أظهرت أن تشتت قوى اليسار لا يخدم سوى خصوم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن الرهان على بناء بديل سياسي جدي يقتضي تجاوز جراح الماضي والانتصار لمنطق الوحدة والعمل المشترك.

لقد ظل مشروع توحيد اليسار، منذ تأسيس فيدرالية اليسار الديمقراطي سنة 2014، أحد أكثر المشاريع السياسية طموحا في المغرب. ورغم الانتكاسة التي عرفها سنة 2021، فإن عودة الحزبين إلى طاولة التنسيق والحوار تعني أن منطق التاريخ أقوى من حسابات اللحظة، وأن الحاجة إلى قطب يساري ديمقراطي ما زالت قائمة، بل أصبحت أكثر إلحاحا في ظل ما تعرفه البلاد من أزمات اجتماعية واقتصادية واتساع دائرة العزوف وفقدان الثقة في السياسة. كما أن البيان المشترك المؤسس لـ”تحالف اليسار” يعكس هذا التوجه من خلال تبنيه أجندة سياسية واضحة تشمل الدفاع عن السيادة الوطنية والوحدة الترابية، والدعوة إلى إصلاح دستوري وسياسي عميق يقوم على فصل حقيقي للسلطات وبناء ملكية برلمانية، إلى جانب مكافحة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتقديم نموذج تنموي عادل ومستدام يراعي العدالة المجالية والاجتماعية.

ولعل أكثر ما يمنح هذا التحالف قيمته السياسية هو أنه يقدم نفسه باعتباره مشروعا لمواجهة الفساد والدفاع عن الانتقال الديمقراطي، وليس مجرد آلية لتقاسم الدوائر الانتخابية أو تحسين النتائج الرقمية. فالبيان المشترك شدد أيضا على الدفاع عن المساواة الفعلية ومناهضة التمييز ضد المرأة، وإشراك الشباب بشكل حقيقي في الحياة السياسية، والانخراط في الحراكات الشعبية، فضلا عن مناهضة كل أشكال التطبيع والدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعوب والقضايا الإنسانية العادلة. وهي مواقف تؤكد أن التحالف يسعى إلى بناء “جبهة شعبية قوية” قادرة على تقديم بدائل سياسية واجتماعية تعكس تطلعات فئات واسعة من المغاربة. فالأحزاب قد تتحالف من أجل المقاعد، أما المشاريع السياسية فتتحد من أجل الأفكار والرهانات الكبرى. وهذا بالضبط ما يحاول عبد السلام العزيز وجمال العسري ورفاقهما التأكيد عليه اليوم.

طبعا، لن يكون الطريق مفروشا بالورود. فالذاكرة السياسية لا تنسى بسهولة، والرهانات التنظيمية والانتخابية ستطرح أسئلة معقدة. غير أن مجرد انتقال العلاقة من القطيعة إلى الشراكة، ومن التراشق إلى الحوار، يمثل في حد ذاته مكسبا سياسيا لليسار المغربي الذي ظل لسنوات يدفع ثمن انقساماته أكثر مما يدفع ثمن قوة خصومه.

يبقى السؤال الحقيقي: هل نحن أمام تحالف انتخابي سينتهي بانتهاء الاستحقاقات المقبلة، أم أمام بداية مسار وحدوي جديد يعيد تشكيل المشهد اليساري المغربي؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن ما جرى اليوم يتجاوز كثيرا حدود الانتخابات، لأنه يتعلق بمحاولة إعادة بناء الأمل في فكرة ظلت تراود أجيالا من اليساريين: أن الوحدة ليست ترفا تنظيميا، بل شرطا أساسيا لصناعة المستقبل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.