أمين عميمي
لا تحتاج الصورة التي تناقلها المغاربة ليلة 28 يوليوز 2026 تفسيرات أمنية، بل قراءة عميقة. حين تقدم فتاة تلبس بدلة سباحة احترافية، ولاعبة كرة قدم وكرة طائرة من العرائش على الابتسام للكاميرا بعد وصولهما سباحة إلى سبتة المحتلة. في نفس الليلة، امرأة تسبح وثلاثة من أطفالها معلقين على عوامة، وأكثر من 500 محاولة اعتراض وإنقاذ في يوم واحد، و 26 جثة مغربية انتشلها البحر منذ بداية 2026 فقط.
هؤلاء ليسوا “مهاجري جنوب الصحراء” الذين اعتدنا رمي الفشل عليهم. هؤلاء مغاربة، أسر مغربية، قاصرون مغاربة يسبحون نحو حلم لا يبعد سوى 20 دقيقة عن بليونش. عندما يختار مواطن مواجهة الموت غرقا على البقاء، فهنا يجب دق ناقوس الخطر فنحن لم نعد أمام ظاهرة هجرة عادية، بل أمام استفتاء شعبي حول مفهوم الدولة وقوة الانتماء.
والمفارقة الكبرى أن الهجرة الجماعية تحصل في فترة رئاسة عزيز أخنوش منذ 2021 للحكومة التي تبنت شعار “الدولة الاجتماعية” كعقد جديد (تعميم التغطية الصحية؛ AMO؛ الدعم الاجتماعي المباشر؛ برامج أوراش وفرصة؛ وإصلاح التعليم والصحة).
الشعار البراق كان وعدا بإعادة بناء الثقة. أن تقول الحكومة للمواطن: ابق، سأوفر لك الحماية، لكن ما تكشفه هجرة سبتة هو أن الشعار نجح على مستوى الدعم النقدي والمادي، وفشل على مستوى أهم رأسمال: الرأس المال الرمزي والكرامة. فصورة الأم التي تسبح مع أطفالها لا تشتكي فقط من الفقر، فهي تستفيد ربما من 500 درهم دعم مباشر. لكنها تشتكي من انسداد الأفق والاغتراب وفقدان الامل. الدعم يسمح لك بأن لا تموت جوعا، لكنه لا يعطيك سببا لتعيش هنا. فالدولة الاجتماعية كما تم تنزيلها تحولت إلى دولة إعانات ومنح، لا دولة فرص بمنطق المصعد الاجتماعي ، وهنا يكمن الشرخ!!!
إن الرأس مال الاقتصادي الهزيل الممنوح للمغاربة، لا يمكن أن يعوض الرأس مال الثقافي والتعليمي. فالمدرسة العمومية تنتج البطالة، والمستشفى تطلب منك الشيك وأن تشتري الدواء من الخارج رغمAMO، وCNOPS وملعب القرب يتحول لمشروع عقاري؛ كما أن اتصال المغاربة بالفضاء الرقمي يسمح لهم برؤية العالم، فعندما يرى لاعبة وصلت لإسبانيا سباحة، فيسأل: لماذا أبقى؟
لاعبة العرائش هي دليل قاطع.
أكيد ليست أمية ولا فقيرة بل هي ضحية انعدام أفق التتويج الرمزي داخل الوطن، فعندما كانت الهجرة ذكورية، كنا نستطيع أن نغطيها بخطاب “طيش الشباب” اما اليوم وعندما تصل أسر بأكملها عبر قوارب مطاطية وأكثر من 70 مغربيا بينهم أسر في عملية واحدة، وعندما يصل أكثر من 60 قاصرا في ليلة واحدة سباحة، نحن أمام إفلاس لسياسات الأسرة.
الدولة الاجتماعية وعدت بحماية الطفولة، لكن في الواقع؛ مع الاسف؛ أصبح الطفل هو الاستثمار العائلي الوحيد للهجرة، لأن القانون الأوروبي يمنع ترحيل القاصرين. الأم التي تسبح مع طفلها لا تخرق القانون، بل تستثمر في الثغرة الوحيدة المتبقية لها بعدما أغلقت أمامها ثغرات المدرسة والتشغيل، كما أن إغلاق معبر سبتة للتهريب المعيشي سنة 2019 دون بديل تنموي حقيقي في الشمال خلق ما يسميه دوركايم “الأنومي”: مجتمع بلا معايير. آلاف الأسر كانت تعيش من التهريب، فجأة قيل لهم: انتظروا برامج فرصة. لكن الفرصة لم تأت.
هنا تظهر الدولة الاجتماعية كدولة بعيدة، في الرباط، تتحدث بلغة الأرقام والمؤشرات، بينما في الشمال الناس تتحدث بلغة البحر: “لغة الحريك”.
الخلاصة: من يسبح ضد من؟
هؤلاء الـ 40 ألف حتى ولو كان الرقم مبالغا فيه، حتى لو كان الرقم الرسمي يتحدث عن 2493 في 6 أشهر و5000 في يوم قياسي واحد، فهم لا يسبحون ضد إسبانيا. إسبانيا تستقبلهم بالصليب الأحمر والحرس المدني.
هم يسبحون ضد شعور عميق بأن الدولة الاجتماعية لم تصل إليهم. يسبحون ضد إحساس بأن الدعم المباشر هو ثمن الصمت، لا ثمن الكرامة.
الدولة الاجتماعية الحقيقية لا تقاس بعدد المستفيدين من الدعم، بل بعدد الذين لم يعودوا يفكرون في رمي أنفسهم في البحر. وعندما تفضل أسرة مغربية أن تواجه أمواج الحر ليلا، بضباب كثيف وبحر هائج كما وصفته السلطات الإسبانية، فهذا يعني أن البحر، بكل أخطاره، أصبح أكثر رحمة من انتظار وعود لم يتحقق.
بقلم الاستاذ أمين عميمي ماستر في سوسيولوجيا التنظيمات.

















