كلاش بريس / س بنقاور
كلما اشتد الضغط على النظام الجزائري بسبب الأزمات الداخلية، عاد الرئيس عبد المجيد تبون إلى الأسطوانة نفسها: الصحراء المغربية. تصريحات تتكرر، وخطابات تعيد إنتاج المواقف ذاتها، وكأن قضية الصحراء المغربية أصبحت الشغل الشاغل للرئاسة الجزائرية، في وقت يواجه فيه المواطن الجزائري صعوبات يومية في الحصول على مواد أساسية، ويجد نفسه مضطرا إلى الوقوف في طوابير طويلة من أجل كيس حليب أو قارورة زيت.
المفارقة أن تبون يواصل الحديث عن قضية خارج حدود بلاده، بينما تتراكم الأسئلة حول الأوضاع داخل الجزائر. فبدل أن تتجه الأولوية إلى معالجة انشغالات المواطنين وتحسين ظروف عيشهم، يُعاد استحضار الصحراء المغربية في كل مناسبة تقريبا، وكأن مهاجمة المغرب يمكن أن تعوض عن الإخفاق في تدبير الملفات الداخلية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الأقاليم الجنوبية للمملكة مسارها التنموي، من مشروع ميناء الداخلة الأطلسي إلى الطريق السريع تزنيت–الداخلة، مرورا باستثمارات الطاقات المتجددة والبنيات التحتية، والاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، يظل الخطاب الرسمي الجزائري أسير خصومة سياسية لم تعد تجدي نفعا في تغيير الوقائع على الأرض.
لقد تغيرت موازين المواقف الدولية، واتسع نطاق الدعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها حلا جديا وواقعيا للنزاع الإقليمي حول الصحراء. كما عززت تطورات المواقف الدولية موقع المبادرة المغربية، في مقابل استمرار الخطاب الجزائري في اجترار مواقف تعود إلى عقود مضت، دون أن تقدم أي أفق حقيقي لإنهاء هذا النزاع.
وحده تبون يبدو مصرا على التعامل مع الملف بعقلية سنة 1975، وكأن العالم لم يتغير، وكأن التحولات الدبلوماسية والتنموية التي عرفتها المنطقة لم تحدث. فبدل مراجعة خطاب لم يفضِ إلى حل، يستمر التصعيد اللفظي، فيما تبقى أسئلة الجزائريين اليومية أكثر إلحاحا من كل الشعارات السياسية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالشعب الجزائري الشقيق، الذي تجمعه بالمغاربة روابط التاريخ والجوار والمصير المشترك، وإنما بخيارات نظام يصر على جعل المغرب خصما دائما، ويمنح قضية الصحراء المغربية مساحة في خطابه تفوق ما يمنحه لعدد من الملفات التي تمس حياة مواطنيه مباشرة.
وقد لخّص أحد النشطاء هذا التناقض، تعليقا على تصريحات تبون الأخيرة، بالتساؤل عما إذا كان الرئيس الجزائري يتحدث عن الصحراء المغربية أكثر مما يتحدث عن الجزائر نفسها، قبل أن يطرح سؤالا ساخرا: هل هو رئيس للجزائر أم متحدث باسم جبهة البوليساريو؟
إن تحويل الخلاف حول الصحراء المغربية إلى مادة دائمة للاستهلاك السياسي لا يبني اقتصادا، ولا يوفر المواد الأساسية، ولا يخفف معاناة المواطنين. كما أن تكرار التصريحات العدائية لا يغير الحقائق الميدانية ولا يلغي التحولات التي تعرفها القضية على المستويين الدبلوماسي والتنموي.
والخلاصة أن الصحراء مغربية، وأن التنمية المتواصلة في الأقاليم الجنوبية تعزز ارتباطها بمسار المملكة ومستقبلها. أما التصريحات المتكررة، مهما ارتفع سقفها، فلن تبني الأوطان، ولن تحل أزمات الداخل، ولن تغير حقيقة راسخة على الأرض.













