يبدو أن عبد الإله بنكيران لا يضيع أي فرصة للحديث عن حصيلته الحكومية إلا ويقدم نفسه باعتباره صاحب إنجازات استثنائية، حتى وصل به الأمر إلى القول إنه يستحق “جائزة نوبل” بسبب قرار إصلاح صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات الذي اتخذته حكومته بين سنتي 2012 و2016.
هذا التصريح يعكس حالة متواصلة من تمجيد الذات السياسي، وكأن الرجل ما زال يعيش داخل أسوار رئاسة الحكومة رغم مرور سنوات طويلة على مغادرته لها. فبدل تقييم تلك القرارات من زاوية آثارها الاجتماعية والاقتصادية على المواطنين، يصر بنكيران على تقديمها باعتبارها بطولة شخصية تستحق التكريم العالمي.
المثير للاستغراب أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية لا يتحدث كثيراً عن الكلفة التي تحملتها الأسر المغربية بعد تحرير أسعار المحروقات، ولا عن موجات الغلاء التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمواطنين. فبينما يتحدث هو عن “إنقاذ مالية الدولة”، يتذكر المغاربة سنوات ارتفعت فيها تكاليف النقل والإنتاج والمعيشة بشكل غير مسبوق، وما تزال آثار تلك القرارات حاضرة إلى اليوم.
وليس هذا أول تصريح يثير الجدل. فالرجل سبق أن خاطب المغاربة بعبارات من قبيل: “أنا اللي زدت عليكم وضربوني بالحجر”، كما صرح في مناسبات أخرى بأنه لم يكن متحمساً للزيادات في أجور الموظفين. وهي مواقف رسخت لدى جزء واسع من الرأي العام صورة سياسي يفتخر بالإجراءات المؤلمة أكثر مما ينشغل بتداعياتها الاجتماعية.
الرجل يتخيل أن ممارسة السياسة تتطلب منصة دائمة لاستعراض الإنجازات المفترضة.ولا يدرك ان السياسي الذي يثق في حصيلته يترك للمواطنين والمؤسسات والخبراء حق التقييم والحكم، أما الإصرار على تقديم النفس باعتبارها صاحبة الفضل المطلق في كل شيء فهو سلوك يقترب من النرجسية السياسية أكثر مما يقترب من ثقافة التدبير الديمقراطي.
المفارقة أن حزب العدالة والتنمية لا يزال إلى اليوم رهيناً بصورة بنكيران وخطابه ومزاجه السياسي. فرغم التحولات التي عرفها المشهد الحزبي، ما زال الرجل هو المتحكم الفعلي في اتجاهات الحزب وخطابه العام، الأمر الذي يجعل الكثيرين يتساءلون: هل يتوفر الحزب فعلاً على قيادة جماعية ومشروع متجدد، أم أنه ما زال يدور في فلك زعيم واحد يرفض مغادرة واجهة المشهد؟
إن المغاربة او على الاقل الذين يواجهون يومياً ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية لا ينتظرون من بنكيران خطابات تمجد الماضي أو تمنح أصحابها “جوائز نوبل” بل ينتظرون قدراً أكبر من التواضع السياسي والاعتراف بأن أي قرار عمومي، مهما كانت مبرراته الاقتصادية، يبقى قابلاً للنقد والمراجعة والمحاسبة.
أما تحويل القرارات الحكومية إلى أمجاد شخصية، فهو أمر قد يخدم شعبية الزعماء داخل تجمعاتهم الحزبية، لكنه لا يغير من حقيقة أساسية مفادها أن الحكم النهائي يبقى للمواطن الذي عاش النتائج، وليس للسياسي الذي يروي قصتها.
ولا يخفى أن جزءاً مهماً من التخوف الذي يبديه المواطنون تجاه عودة حزب العدالة والتنمية إلى قيادة الحكومة لا يرتبط بالحزب في حد ذاته بقدر ما يرتبط بشخص عبد الإله بنكيران وخطابه السياسي. فالرجل دأب خلال السنوات الأخيرة على إطلاق تصريحات أثارت استياء فئات واسعة من المغاربة، سواء تعلق الأمر بالقدرة الشرائية أو الأجور أو الاحتجاجات الاجتماعية. ولذلك أصبح كثيرون ينظرون إليه باعتباره سياسياً يميل إلى مخاطبة المواطنين من موقع الأستاذ الذي يلقن الدروس أكثر من موقع المسؤول الذي يصغي إلى انشغالاتهم.
وهذا ما خلق انطباعاً لدى شريحة من الرأي العام بأن مواقف بنكيران لا تنسجم دائماً مع انتظارات المواطنين ولا تعكس بالضرورة المزاج الشعبي العام، الأمر الذي يجعل صورته السياسية محل جدل أكبر من صورة الحزب نفسه



















