كلاش بريس/زهير خية
جاء طائر صغير إلى نافذتي هذا الصباح، لم يطلب خبزاً ولا ماءً، ولم يكن يبحث عن ظل شجرة يستريح تحتها… اقترب مني، خفض صوته، وهمس:
«راه موسم التشناقت بدا!»
ابتسمت، وسألته:
هل تتحدث عن المواقع والصفحات الإلكترونية التي تتحول، مع كل موسم انتخابي، إلى أبواق للتمجيد والتطبيل والتزلف؟
هزّ العصفور جناحيه وقال:
«لا… أنا كنهدَر على شي حاجة أقدم وأقوى من المواقع: الزرود!»
وهنا فهمت الرسالة.
فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن بعض المرشحين بدأوا في إخراج «الترسانة الانتخابية» من مخازنها، ليس من خلال البرامج والمشاريع والوعود القابلة للقياس، وإنما عبر موائد عامرة، ولائم فاخرة، و”زرود” تقام في جنح الظلام، حيث تختفي الأضواء وتظهر الحسابات.
لا حديث عن التشغيل، ولا عن الطرق، ولا عن الصحة، ولا عن التعليم…
المهم أولاً أن تمتلئ الموائد!
ويقال إن بعض الولائم لا تكون مجرد عشاء عابر، بل تتحول إلى ما يشبه اجتماعات سياسية متنكرة في لباس “الكرم والضيافة”، يحضرها منتخبون وأعضاء جماعات وفعاليات محلية، وتُوزع فيها الابتسامات أكثر مما توزع فيها البرامج الانتخابية.
أما الطبق الرئيسي، فليس بالضرورة لحم الغنم أو الدجاج…
الطبق الرئيسي هو الأصوات!
والحلوى؟
الوعود!
أما الشاي، فيُقدَّم ساخناً، ومعه عبارات من قبيل:
«حنا ولاد البلاد»،
«غادي نخدمو المنطقة»،
«المستقبل غادي يكون زوين»…
وبعد نهاية الوليمة، يعود كل واحد إلى منزله، بينما يبقى المواطن البسيط يتساءل:
واش الانتخابات غادي تكون بالبرنامج… ولا بالطنجرة؟
المثير في الأمر أن بعض هذه التحركات تتم بعيداً عن أعين الناس، وكأن السياسة أصبحت تحتاج إلى «السرية المهنية»، وكأن المرشح يخشى أن يعرف المواطن أنه كان يتعشى مع المنتخبين!
لكن العصفور كان أكثر صراحة مني، وقال:
«راه حتى الطيور ولات كتعرف أن بعض الزرود ما كتقامش غير على حساب الكرم… ولكن على حساب الحسابات!»
وبينما يستعد البعض لإطلاق الحملات مبكراً، يبدو أن هناك من اختار أن يبدأ من المطبخ السياسي قبل الوصول إلى الصندوق الانتخابي.
ففي موسم الانتخابات، تتغير قواعد اللعبة:
الخطاب يصبح أكثر نعومة،
الصور أكثر لمعاناً،
الابتسامات أكثر اتساعاً،
والزرود… أكثر سخاءً!
لكن المواطن، هذه المرة، قد لا يكون بنفس السذاجة التي يتصورها البعض.
فالمواطن الذي حضر وليمة بالأمس، ليس بالضرورة قد منح صوته غداً.
ومن أكل طبقاً من «الزرود»، لا يعني بالضرورة أنه وقّع عقداً يمنح صوته لصاحب الدعوة.
الانتخابات ليست فاتورة عشاء، والصندوق ليس صندوق أداء الحسابات.
ويبقى السؤال الذي يطرحه العصفور، وهو يرفرف عائداً إلى عشه:
هل بدأ موسم البرامج الانتخابية فعلاً… أم أننا ما زلنا في مرحلة تسخين الطناجر؟
أما أنا، فأغلقت النافذة وقلت للعصفور:
«إيلا كان عندك شي أخبار أخرى، رجع قبل ما يسالي الموسم… راه الصحافة محتاجة حتى لشهادة الطيور!»
كلاش بريس
حين يصبح الطبق السياسي أكثر دسامة من البرنامج الانتخابي… يصبح من حق المواطن أن يسأل: من سيؤدي الحساب؟





























