العلاقة بين السياسات النقدية والعملات الرقمية

منذ 4 ساعات
العلاقة بين السياسات النقدية والعملات الرقمية
د : رضوان المصطفى

​من التحذير إلى التأطير: كيف يُعيد المغرب هندسة علاقته بالأصول المشفرة؟
تعد العلاقة بين السياسات النقدية والعملات الرقمية (Cryptoactifs) في المغرب موضوعاً حيوياً ومعقداً، حيث يسعى بنك المغرب (البنك المركزي) إلى تحقيق توازن دقيق بين الابتكار المالي وحماية الاستقرار النقدي.

​قبل سنوات كان الموقف الرسمي من “العملات الافتراضية” أقرب إلى الرفض القطعي حيت ان بيانات بنك المغرب ومكتب الصرف في عام 2017 لم تترك مجالاً للتأويل بأعذار: هذه الأدوات وهمية، منصاتها تشكل خطراً على المدخرات، والتعامل بها خرق صريح لقانون الصرف يُعرض صاحبه لعقوبات ثقيلة.

​اليوم، على بعد خطوات من إصدار مشروع قانون الأصول المشفرة، يُعِدُّ الثالوثٌ المؤسساتي المكون من بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل (AMMC) ومكتب الصرف إطاراً قانونياً يُعيد تعريف هذه الأصول لا كعملة موازية تهدد السيادة النقدية، بل كـ «أصول استثمارية” تخضع لرقابة صارمة. هذا التحول ليس تراجعاً عن حماية الاقتصاد الوطني، بل هو نقلة استراتيجية من منطق المنع الاحتوائي إلى هندسة تأطير استباقي، يُراعي اتساع قاعدة المستخدمين المغاربة ويضع نصب عينيه الهدف الأسمى: منع تسرب العملة الصعبة وحماية ميزان الأداءات.

​من القطيعة مع خطاب 2017 وهشاشة الاستقبال إلى إرادة التوجيه
​في عام 2017، ساد خطاب تحذيري صارم قائم على ثلاث ركائز: حماية المستهلك من فقاعات لا قيمة تحتها، سد منافذ تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وضرب طوق أمني حول احتياطي النقد الأجنبي. غير أن عقداً من التطور التكنولوجي أثبت استحالة إغلاق الحدود الرقمية. المغاربة وجدوا في منصات التداول اللامركزية ملاذاً آمناً للالتفاف على القيود، مما جعل التدفقات المالية تعمل خارج كل رقابة مصرفية أو جبائية. هنا، انتقل صانع القرار من سؤال “كيف نمنع؟” إلى سؤال “كيف نُنظم لنحافظ على مقدراتنا؟”.

​مشروع القانون الجاري إعداده هو الاعتراف الضمني بأن الحظر الكلي يُنتج سوقاً ظلاً أخطر، في حين أن التقنين المشروط يُخرج هذه التدفقات إلى النور ويُخضعها للضريبة والمراقبة. طالما بقيت الأصول المشفرة خارج الإطار القانوني، سيبقى تأثير السياسات النقدية العالمية على المغرب أشبه بفيضان يُدار في غياب سدود. قرار رفع الفائدة أو ارتفاع التضخم في واشنطن سيواصلان تحريك موجات من الخسائر أو الطلب المضطرب في السوق غير الرسمية بالمغرب، مكلفين الاقتصاد الوطني ثمناً مزدوجاً: هدر ثروات الأفراد، ونزيف العملة الصعبة.

​السياق الراهن لا يمنح المغرب رفاهية اختيار التأثر من عدمه بالسياسات النقدية الدولية، لكنه يمنحه، عبر الإطار القانوني المرتقب، فرصة استباقية للانتقال من موقع المتلقي الهش إلى موقع المُنظم المُدرك للمخاطر، القادر على احتواء صدمات العالم دون أن تنكسر على صخرته موازينه المالية.

​الإطار الرقابي والسيادة النقدية: أصل استثماري لا عملة بديلة

​تعتبر البنوك المركزية، وبنك المغرب على وجه الخصوص، أن العملات الرقمية اللامركزية (مثل البيتكوين) قد تشكل تحدياً لسيادتها النقدية. يكمن جوهر التحول الاستراتيجي في الصياغة القانونية المرتقبة. النص الجديد لا يمنح العملات المشفرة صفة “النقد القانوني” الذي يظل حكراً حصرياً على الدرهم، بل يُدرجها في خانة “الأصول الاستثمارية” تماماً كالأسهم والسندات لهذا التمييز اهداف محددة:

​المنع القانوني وحماية السيادة النقدية: ما زال المغرب يطبق “منعاً” رسمياً على التعامل بالعملات الرقمية منذ عام 2017، معتبراً إياها أصولاً ذات مخاطر عالية لا تخضع لضمانات رسمية. لا يمكن لليبتكوين أو الإيثيريوم أن تُصبح أداة وفاء للديون أو شراء السلع داخل المغرب، فيبقى الدرهم وحده السيد في المعاملات اليومية والسياسة النقدية.

​حماية الدرهم: السياسة النقدية المغربية تهدف إلى التحكم في عرض النقد واستقرار سعر الصرف. دخول العملات الرقمية بقوة قد يؤدي إلى “هروب رؤوس الأموال مما يضعف احتياطيات العملة الصعبة ويؤثر على قيمة الدرهم.
​إعمال الرقابة والجباية: باعتبارها أصلاً استثمارياً، تخضع أرباح بيعها أو تداولها للضريبة، ويخضع الوسطاء ومقدمو الخدمات (منصات التداول) لإلزامية الترخيص من الهيئة المغربية لسوق الرساميل (AMMC)، مع تطبيق كامل لإجراءات الامتثال ومكافحة غسل الأموال.

​3. التوجه نحو العملة الرقمية للبنك المركزي وهاجس مكتب الصرف حول منافذ تسرب العملة الصعبة

​كرد فعل استراتيجي، لا يكتفي بنك المغرب بالمنع، بل يدرس بدائل تقنية:
​مشروع الدرهم الإلكتروني: أنشأ بنك المغرب لجنة لدراسة “العملة الرقمية للبنك المركزي”. الهدف هو توفير وسيلة دفع رقمية آمنة تخضع لرقابة الدولة، مما يقلل من جاذبية العملات الرقمية غير المنظمة.

​الشمول المالي: تهدف السياسة النقدية الحديثة إلى استخدام التكنولوجيا لتقليل تكاليف المعاملات وزيادة نسبة الشمول المالي، خاصة في المناطق القروية.

​يظل القلب النابض لهذا المشروع القانوني هو الحفاظ على رصيد المغرب من العملات الأجنبية. في النظام غير المُقنن، كان أي مغربي يحول الدرهم إلى يورو أو دولار عبر قنوات بنكية، ثم يشتري أصولاً مشفرة من منصة عالمية، مما يُحدث نزيفاً حقيقياً من الاحتياطي الوطني دون أن تستفيد الخزينة بشيء. القانون المرتقب يصمم آلية محكمة لمنع هذا “التسرب”:

​الترخيص المسبق: لا يُسمح بتحويل الدرهم نحو منصات خارجية إلا عبر وسطاء مرخصين يضمنون تتبع كل سنتيم.

​منصات وطنية مؤهلة: تشجيع خلق بيئة تداول داخلية (أو شراكات دولية مضبوطة) تسمح بتبادل الأصول بدرهم قابل للتحويل ضمن حسابات استثمارية مراقبة، فلا يمس التحويل احتياطي العملة الصعبة إلا في الحدود المسموح بها رقابياً.

​إمكانية المقاصة الداخلية: إذا قام فاعل مالي بشراء أصل مشفر من متعامل آخر بالدرهم، فإن العملية تتم في فضاء مغلق دون استهلاك العملة الصعبة، وهو سيناريو يمتص جزءاً كبيراً من الطلب المحلي دون ضغط على ميزان الأداءات.

​تنتقل علاقة بنك المغرب مع العملات الرقمية من “المنع المطلق” إلى “التقنين الحذر”. ومن المتوقع أن يصدر قانون جديد ينظم هذه الأصول قريباً، يهدف إلى: حماية المستهلك من الاحتيال والتقلبات الحادة، ضبط التدفقات الخارجة للحفاظ على ميزان الأداءات، وتأطير الابتكار التكنولوجي (Blockchain) دون المساس بمركزية القرار النقدي.

​يمثل مشروع القانون المغربي قطيعة مع الحذر المفرط، دون تفريط في ثوابت السيادة النقدية. بنقله الأصول المشفرة من خانة “الخطر المطلق” إلى “الفرصة الاستثمارية المؤطرة”، يراهن المغرب على استقطاب الابتكار المالي واحتواء التدفقات الخارجة عن السيطرة، مع حماية المخزون الاستراتيجي من العملة الصعبة. تبقى الكلمة الفصل في النجاح للمرونة التنظيمية، إذ إن سباق التكنولوجيا أسرع من التشريع، والقانون الفعال هو ذلك القابل للتطور قبل أن تصبح مواده مجرد نصوص متجاوزة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.