في كل أزمة يعيشها المغرب، يخرج علينا بعض صناع المحتوى ومن يسمون أنفسهم “مؤثرين” لركوب الموجة واستغلال غضب الشارع من أجل صناعة “البوز” وحصد المشاهدات والتفاعلات، دون امتلاك أي رؤية حقيقية أو فهم عميق لطبيعة المشاكل التي يتحدثون عنها. وهذا بالضبط ما وقع مع حملة “خليه يبعبع”، التي تحولت من شعار فايسبوكي صاخب إلى واحدة من أكثر الحملات المثيرة للجدل والسخرية في الشارع المغربي.
صاحب الحملة المعروف باسم “فيسبوكي حر” قدم نفسه كمدافع عن المواطن البسيط، وكأن الحل السحري لأزمة أسعار الأضاحي يكمن في إطلاق فيديوهات حماسية وتحريض الناس على المقاطعة. الخطاب كان شعبوياً بامتياز: “خليهم يطيحو الثمن”، “الكساب خائف”، “السوق سينهار”، وغيرها من الشعارات التي دغدغت مشاعر المواطنين المتضررين من الغلاء. لكن مع مرور الأيام بدأت الحقيقة تظهر، وبدأت الحملة تسقط تدريجياً أمام واقع أقوى من ضجيج الفايسبوك.
الحقيقة التي تجاهلها أصحاب الحملة هي أن الكساب المغربي عاش سنوات كارثية بكل المقاييس. سبع سنوات من الجفاف المتواصل أنهكت البادية، ورفعت أسعار الأعلاف بشكل جنوني، وأغرقت آلاف المربين في الديون والخسائر. هناك من باع قطيعه بالكامل، وهناك من اضطر إلى الاقتراض فقط ليستمر في تربية المواشي.
الأخطر في هذه الحملة أنها ساهمت في نشر مغالطات خطيرة وسط الرأي العام. فالكثير من الناس أصبحوا يعتقدون أن الأسعار تُحدد فقط بالجشع والطمع، بينما الواقع الاقتصادي يقول إن تكلفة الإنتاج ارتفعت بشكل غير مسبوق. فهل يعقل أن يشتري الكساب الأعلاف بأثمنة مرتفعة، ويتحمل مصاريف النقل والتلقيح والعلاج واليد العاملة، ثم يبيع بخسارة فقط لأن “فيسبوكي حر” قرر إطلاق حملة على مواقع التواصل؟
وحين بدأت الحملة تفقد بريقها، خرجت التبريرات المعتادة. مرة يتم تحميل المسؤولية للحكومة، ومرة للسماسرة، ومرة للوبيات السوق، إلا شيء واحد لم يحدث: الاعتراف بالفشل. لم يخرج صاحب الحملة ليقول للناس إن الواقع كان أعقد مما صوره لهم، ولم يعترف بأن الخطاب التحريضي ساهم في خلق توتر كبير داخل الأسواق وبين المواطنين والكسابة.
ما وقع كشف جانباً خطيراً من فوضى التأثير على مواقع التواصل الاجتماعي. اليوم أصبح أي شخص يملك هاتفاً وكاميرا يعتبر نفسه خبيراً اقتصادياً ومحللاً اجتماعياً وقائداً للرأي العام، دون حسيب أو رقيب. يتم إطلاق الأحكام وإشعال الشارع بكلمات حماسية، بينما الضحية في النهاية هو المواطن البسيط الذي يبحث عن الحقيقة وسط سيل من التضليل والانفعال.
المؤلم أكثر أن بعض من روجوا للحملة كانوا يعرفون جيداً أن نتائجها محدودة، لكنهم استمروا في النفخ في الوهم لأن “الترند” يحقق لهم الانتشار والمتابعة. وهنا يتحول النقاش من مجرد حملة فاشلة إلى سؤال أخلاقي كبير: هل أصبحت معاناة المغاربة مجرد مادة لصناعة المحتوى وجمع المشاهدات؟
الأسواق لا تُدار بالعاطفة ولا بالشعارات السريعة. الاقتصاد له قوانينه، والفلاحة لها تحدياتها، وتربية المواشي قطاع يعيش أزمة حقيقية منذ سنوات. ومن يريد فعلاً الدفاع عن المواطن، عليه أن يطرح حلولاً واقعية وشجاعة، لا أن يبيع للناس أوهام الانتصار السريع عبر فيديوهات الفايسبوك.
لقد سقطت حملة “خليه يبعبع” لأنها قامت على الانفعال بدل الوعي، وعلى الشعبوية بدل الحقائق. وسقط معها وهم كبير مفاده أن الضجيج الإلكتروني قادر وحده على تغيير الواقع الاقتصادي المعقد…


















