فتح الله حافظي
ليست هذه أول مرة، ولن تكون الأخيرة، التي تتسلل فيها السياسة إلى مدرجات كرة القدم. ففي منطقتنا، لا تكتفي السياسة بإدارة شؤون الدول، بل تريد أحيانا أن تختار للناس حتى الفريق الذي ينبغي أن يشجعوه، والهدف الذي يحق لهم أن يفرحوا به.
مساء اليوم الخميس، لن يكون الموعد في الجزائر مع مباراة كرة قدم فقط، بل مع امتحان من نوع آخر. امتحان بين ذاكرة الشهداء وحسابات الحاضر. فالمواجهة التي ستجمع المغرب بفرنسا ستضع كثيرين أمام سؤال لا تصنعه كرة القدم، بل تصنعه السياسة.
فالعسكر في الجزائر، منذ سنوات، جعل من الخصومة مع المغرب جزءا من خطابه اليومي، حتى أصبح من السهل على البعض أن ينظر إلى كل نجاح مغربي بعين السياسة قبل أن ينظر إليه بعين الرياضة. ثم جاء الاقصائيات، وكأنه يمارس هوايته في السخرية، ليضع المغرب في مواجهة فرنسا.
وهنا تبدأ الحيرة.
إذا صفقت للمغرب، سيخرج من يذكرك بأنك صفقت لـ”الخصم”. وإذا صفقت لفرنسا، فسيسألك التاريخ سؤالا يصعب الإفلات منه: كيف يمكن للمستعمر الذي ارتوت الأرض بدماء مليون ونصف مليون شهيد في مقاومته أن يصبح، ولو لتسعين دقيقة، الفريق الذي تتمنى له الفوز؟
أعترف أنني كلما فكرت في هذه المفارقة ابتسمت. ليس شماتة في أحد، وإنما دهشة من قدرة السياسة على أن تضع الناس في مواقف لم تكن لتخطر على بال أكثر كتاب المسرح الساخر خيالا.
فالورطة، في الحقيقة، لم تصنعها كرة القدم. الكرة بريئة. إنها لعبة بسيطة، اثنان وعشرون لاعبا يطاردون كرة، أما نحن فنصر على أن نطارد معها التاريخ، والجغرافيا، والخلافات الدبلوماسية، وخطابات السياسة.
أحيانا أتخيل، من باب المجاز، لو أن أحد شهداء الثورة الجزائرية عاد للحظات، وجلس بين المشجعين يتابع المباراة. ربما لن يسأل عن النتيجة، ولن يعنيه من سجل الهدف. قد يكتفي بالنظر حوله مستغربا: كيف أصبح المستعمر، عند بعض الناس، أقل سوءا من الجار؟ وكيف استطاعت خصومات الحاضر أن تزاحم ذاكرة صنعتها التضحيات؟
ولا يتعلق الأمر بالجزائريين وحدهم. فكلما سمحت السياسة لنفسها بأن تدخل إلى الملعب، خرجت الرياضة من الباب الخلفي. عندها لا يعود المشجع حرا في انفعاله، ولا يصبح التصفيق مجرد تصفيق، بل يتحول إلى موقف سياسي، وإلى شهادة حسن سيرة، وإلى تهمة أحيانا.
قد تنتهي المباراة بفوز المغرب أو فرنسا، وقد تذهب إلى الأشواط الإضافية أو ركلات الترجيح. لكن النتيجة الأهم لن تعلنها لوحة الملعب، بل ستكشفها ردود الفعل بعد صافرة النهاية: هل ما زالت ذاكرة الشهداء قادرة على الانتصار على حسابات السياسة، أم أن خصومات الحاضر أصبحت أقوى من دروس التاريخ؟
في النهاية، تبقى كرة القدم مجرد لعبة. أما الذي يحولها إلى معركة، فليس اللاعبون ولا الجماهير، بل السياسة حين تصر على اقتحام الملعب، حاملة معها خصوماتها وأحقادها وأسئلتها التي لا تنتهي.



















