في الوقت الذي يشتعل فيه قطاع الصناعة التقليدية باحتجاجات غير مسبوقة، ويعيش على وقع أزمة ثقة خانقة بين الإدارة ومختلف مكونات الشغيلة، يبدو أن كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، لحسن السعدي، منشغل بمعركة أخرى عنوانها: التسويق الرقمي وصناعة الصورة.
فبينما تتقاطر البلاغات الاحتجاجية من مختلف جهات المملكة، اختارت مؤسسة “دار الصانع”، الخاضعة لوصاية كتابة الدولة، تخصيص 1.1 مليون درهم لحملات التواصل على “فيسبوك” و”إنستغرام”، وكأن الأزمة التي يعيشها القطاع يمكن إخفاؤها بعدد أكبر من المتابعين أو بمقاطع فيديو مصقولة.
المفارقة الصادمة أن هذه الصفقة تأتي في وقت يعرف فيه القطاع واحدة من أكثر مراحله احتقاناً. ففي أقل من ثلاثة أيام فقط، صدرت خمسة بلاغات نارية تمثل موظفي الصناعة التقليدية، من الشرق إلى الداخلة، كلها تحمل الرسالة نفسها: رفض، غضب، واتهامات بفرض واقع لا يحظى بالإجماع.
وبدل جمع الفرقاء حول طاولة واحدة، اختار المسؤول الأول عن القطاع أن ينشغل بتجميل الواجهة الرقمية، وكأن المشكلة تكمن في ضعف التواصل، وليس في تراكم الملفات الاجتماعية والإدارية التي انفجرت دفعة واحدة.
أي رسالة يريد السعدي إيصالها للحرفيين والموظفين؟ هل يحتاج القطاع إلى صفحات أكثر نشاطاً على مواقع التواصل، أم إلى مسؤول ينصت للغاضبين ويبحث عن حلول حقيقية؟ وهل أصبحت الأولوية اليوم هي رفع عدد المتابعين والإعجابات، بينما الثقة داخل القطاع تتهاوى يوماً بعد يوم؟
الواقع أن ملايين السنتيمات التي ستصرف على الإشهار الرقمي لن تمحو البلاغات الغاضبة، ولن تطفئ نار الاحتقان، ولن تقنع الموظفين بأن أوضاعهم تسير في الاتجاه الصحيح. فالأزمات لا تُدار بالكاميرا، ولا تُحل بمنشورات ممولة، بل بالحوار، والجرأة في اتخاذ القرار، واحترام المؤسسات، والإنصات للفاعلين
.
إن أخطر ما يواجه أي مسؤول ليس صدور بلاغ احتجاجي، بل أن تتحول البلاغات إلى مشهد يومي، وأن تأتي من جهات مختلفة وباللغة نفسها، بينما يلتزم المسؤول الصمت. حينها يصبح الصمت موقفاً، ويصبح تجاهل الأزمة جزءاً منها.
اليوم، يجد السعدي نفسه أمام اختبار سياسي حقيقي: إما أن يغادر منطق “تلميع الصورة” وينزل إلى الميدان لمعالجة أعطاب القطاع، أو يستمر في مطاردة “اللايكات” بينما تتسع دائرة الغضب، ويزداد الاقتناع بأن كتابة الدولة أصبحت منشغلة بالتواصل أكثر من انشغالها بحل مشاكل الصناعة التقليدية.



















