ماذا بعد إنهاء «المينورسو» في الصحراء المغربية؟

منذ 11 دقيقة
ماذا بعد إنهاء «المينورسو» في الصحراء المغربية؟

كتبه / بلال التليدي

سؤال ماذا بعد؟ سيظل الأكثر أهمية بعد أن أفضى استخدام الفيتو المزدوج الروسي والأمريكي إلى إنهاء مهمة المينورسو في الصحراء.

الكثيرون انشغلوا بسؤال الرابح والخاسر في المعركة، والذين لهم خبرة بتاريخ الملف ومساره داخل أروقة الأمم المتحدة يرون أن الجزائر ربحت تكتيكيا بإفشال مشروع القرار الأمريكي دون أفق، بينما ربح المغرب استراتيجيا بإنهاء مهمة المينورسو في الصحراء دون أن يخسر بقاء مقترحه للحكم الذاتي إطارا حصريا للتفاوض للتوصل لحل النزاع

المغرب كان سباقا للتفاعل مع هذا الواقع، إذ صدر بلاغ الديوان الملكي في أقل من ساعة على استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للفيتو ضد مشروع القرار الروسي، فاعتبر إنهاء مهمة المينورسو فرصة تسمح بالانتقال من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير، في حين، جمع الموقف الجزائري، بين الابتهاج بإسقاط الفيتو الروسي لمشروع القرار الأمريكي، وإبداء التأسف على انحلال الأساس القانوني لاستمرار بعثة المينورسو في الصحراء، وقد كان وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف يكرر بأن هدف المغرب الاستراتيجي الذي لم ينجح في تحقيقه هو إنهاء مهمة المينورسو في الصحراء.

التقييم الموضوعي، يقول بأن المغرب كسب زخما دوليا مهما أثمر بعد قرار 2797 مشروع القرار الأمريكي الذي وضع الأساس الإجرائي لحسم قضية الصحراء، لكن دون أن يتحول ذلك إلى قرار لمجلس الأمن، بينما خسرت الجزائر الدعم الدولي، وخسرت ما كانت تعتبره أساسا قانونيا ورمزيا لخيار الاستفتاء، فبدل الإبقاء على حرف R الرامز للاستفتاء في اسم البعثة، فقد وجدت نفسها أمام واقع التضحية بوجود هذه البعثة برمتها.

بلاغ الخارجية الجزائرية أبان عن تحول مهم، فمع أنها كانت دائما تعتبر قرار مجلس الأمن 2797 منحازا للمغرب، أكد البلاغ على مرجعيته، ولم يظهر فيه أي إشارة للتصعيد، بل عبر عن أمل الجزائر في التوصل لحل سياسي مقبول للنزاع لدى الطرفين.

السؤال المقارن، يكشف فروقا جوهرية في التفاعل مع الوضع الذي أنتجه استخدام الفيتو المزدوج، فالمغرب لم يتفاجأ بهذا الوضع، بل الظاهر أن سيناريوهاته كانت جاهزة للتعامل مع ما ستنتجه جلسة مجلس الأمن، إما بمرور مشروع القرار الأمريكي، أو استعمال الفيتو ضده، واختار التعامل مع الفيتو المزدوج بوصفه فرصة لحسم النزاع، ولذلك جاء البلاغ الملكي يحدد بتراتبية دقيقة الخطوات التي سينتهجها المغرب، بدءا بتصفية المينورسو والتعاون في تأمين ترتيبات انسحابها، مع الـتأكيد على الالتزام بوقف إطلاق النار دون التساهل في حماية وحدته الترابية وأمن وسلامة مواطنيه، ثم الالتزام بالمرجعية الأممية والتراكم الذي تحقق في مجلس الأمن، والذي أفضى في قراره الأخير 2797 الذي اعتبر المقترح المغربي للحكم الذاتي إطارا للتفاوض لحل النزاع، مع فتح المجال لإمكان استثمار الإطار الثنائي والإقليمي لحل النزاع.

المغرب كسب زخما دوليا مهما أثمر بعد قرار 2797 مشروع القرار الأمريكي الذي وضع الأساس الإجرائي لحسم قضية الصحراء

الأمين العام للأمم المتحدة عبر الناطق الرسمي باسمه، عبر عن مخاوفه الأمنية من تداعيات إنهاء مهمة المينورسو، لكن لا أحد من الطرفين الأساسيين، المغرب والجزائر، ألمح إلى سيناريو التصعيد، ولذلك يمكن القول بأن الخيار العسكري مستبعد لثلاثة أسباب رئيسية: الأول لأن المغرب عبر عن التزامه بوقف إطلاق النار، والثاني لأن الجزائر تدرك كلفة تشجيع البوليساريو على هذا الخيار، فمسودة القرار الأمريكي توعدت بفرض عقوبات دولية على أي طرف يعرقل المسار السياسي أو يمتنع عن الانخراط في المفاوضات لتسوية هذا النزاع المفتعل، والثالث أن الإشارات الصادرة من بعض أعضاء مجلس الشيوخ بالتحرك من أجل تصنيف البوليساريو جماعة إرهابية، ومن ثمة وضع الجزائر تحت طائلة العقوبة لرعايتها واحتضانها لهذه المنظمة، يجعل الجزائر تفكر ألف مرة قبل الإقدام على هذه الخطوة.

سيناريو خروج الجمعية العامة بقرار تشكيل لجنة تسعى لإثمار موقف متوافق حوله ممكن، لكن المغرب على ما يبدو من خلال لغة البلاغ الملكي، قد أنهى مسار تدبير النزاع، ولن يقبل بأقل من سقف مشروع القرار الأمريكي، ولذلك جاءت لغته واضحة بأن المغرب لم يعد يقبل باستدامة وضع الجمود الذي يكرسه التوافق الدولي المختبئ وراء عبارات يفهم منها الشيء وضده. فالحالة الوحيدة التي يمكن أن يقبل بها المغرب، هي أن تتشكل بعثة أممية بوظيفة سياسية في الصحراء تتمثل بشكل حصري في مواكبة ودعم التفاوض بين الأطراف حول المقترح المغربي للحكم الذاتي.

سيناريو التفاوض المباشر بين المغرب والجزائر، والذي يبدو الخيار المثالي، طالما طالب به المغرب، لكن الجزائر دائما كانت ترفضه، لكن، مع ذلك لا شيء مستحيل، ففي ظل تحول جيوستراتيجي في المنطقة، قد تضطر الجزائر للانخراط في هذا الخيار، إن قدرت أنه يصلح ثمنا لعدم خسارة أمنها أو استقرارها الداخلي. بعض مؤشرات هذا السيناريو بدأت تتخلق، فحدود الجزائر في الشرق مع ليبيا، وفي الجنوب مع النيجر ومالي، توحي بكثير من المخاطر، ومصادقة البرلمان الجزائري بغرفتيه على إرسال وحدات للجيش على النيجر استنادا إلى المادة 91 من الدستور الجزائري تعطي صورة أولية عن هذه التحولات.

سيناريو الجمود داخل الأمم المتحدة أو خارجها لا يخدم المغرب، لكنه في الوقت ذاته يُصَير البوليساريو مشكلة جزائرية، إذ يصعب إنتاج سردية مقنعة للاجئين في مخيمات تندوف في ظل عدم وجود أفق للحل في مقابل وجود مؤشرات التنمية المتزايدة في الأقاليم الجنوبية في ظل السيادة المغربية.
بعض المحللين والسياسيين بالمغرب يرون أن الحل يكمن في سحب ملف الصحراء من اللجنة الرابعة، وأن ذلك يتطلب مجهودا أقل مما كان يبذله المغرب من ترصيد الدعم الدولي بمجلس الأمن، لأن الأمر في اللجنة الرابعة وحتى في الجمعية العامة ليس فيه حق النقض، ولا يتطلب أكثر من أغلبية عددية استطاع المغرب أن يؤمنها في جلستي مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 و 30 أكتوبر 2026 حينما صوت على مشروع القرار الأمريكي 11 من 15 وامتنع ثلاثة ومارست روسيا حق النقض، لكن هذا الخيار الممكن، حتى ولو نجح في بعض صوره في إنهاء تدويل النزاع، فإنه يتطلب ضرورة مبادرة تفاوضية على أساس الحكم الذاتي تحظى بدعم دولي، سواء تم ذلك بشكل ثنائي، أو عبر وساطة، أو بجهد منظمة إقليمية، ومن ثمة، يعود النقاش مرة أخرى للبعد الدولي في حسم الصراع.

تقديري أن المغرب يريد أن يستثمر في ترصيد الدعم الدولي لمقترحه للحكم الذاتي وإضفاء مزيد من الأبعاد الاستراتيجية عليه، مع جعل صبره الاستراتيجي (الالتزام بالخيار السلمي) وانتهاج سياسة اليقظة والحذر أساسا لتكرار تجربة معبر الكركرات نوفمبر 2000 مرة أخرى، لكن هذه المرة ليس فقط لتأمين التجارة الدولية، بل لفرض واقع في المنطقة العازلة، تسنده كل الدول التي دعمت مقترحه للحكم الذاتي. كما سيظل في حراكه الدبلوماسي والحقوقي الدولي مراهنا على الأوضاع الإنسانية للاجئين في مخيمات تندوف، حتى تتوفر كل الشروط لفرض ضغوط على الجزائر لإحصاء اللاجئين وتمكينهم من حرية الحركة واختيار السيناريوهات الأكثر استدامة كما تؤطرها القوانين الدولية والمقررات الأممية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.