الهروب الجماعي؛ حاجة أم احتجاج؟

منذ ساعتين
الهروب الجماعي؛ حاجة أم احتجاج؟

امين عميمي

لم تكن الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة في ماي 2021 مجرد حادث عابر في تاريخ الهجرة غير النظامية، بل مثلت لحظة كاشفة لاختلالات اجتماعية عميقة، وتقاطعت فيها رهانات السياسة الخارجية مع مآسي البشر. ففي الوقت الذي قرأ فيه المراقبون الحدث باعتباره أحد تجليات الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا على خلفية استقبال مدريد لإبراهيم غالي، كان آلاف الشباب والأطفال يخوضون مغامرة محفوفة بالموت، مدفوعين بإحساس متراكم بانسداد الأفق وفقدان الأمل.

إن النزوح الجماعي الذي حدث أواخر يوليوز 2026، لا يمكن تفسير بعامل الفقر وحده، فالحرمان النسبي له تأثير واضح؛ فالهجرة لم تعد فقط هروبا من الحاجة، وإنما أصبحت هروبا من الإحساس بالتهميش وانعدام الاعتراف. لقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لفضاء أوروبي جذاب يبدو أكثر عدلا وكرامة، بينما ترسخت لدى جزء من الشباب قناعة بأن المستقبل في الداخل يزداد ضبابية.

لكن عندما يتحول القرار الفردي إلى فعل جماعي بمجرد أن يشعر الأفراد بأن الفرصة متاحة للجميع، فتتراجع الحسابات العقلانية أمام قوة العدوى الاجتماعية، وحماسة الحشود وتدفق الادرينالين الذي يبطل بسحره العقل والمنطق، ويصبح البحر معبرا جماعيا للاحتجاج أكثر منه مجرد طريق للهجرة.، لقد جاءت هذه الأحداث في سياق أزمة غير مسبوقة بين الرباط ومدريد. وقد اعتبر كثير من المحللين أن تدفق المهاجرين ارتبط بالسياق الدبلوماسي المتوتر، وهو ما جعل المأساة الإنسانية تتداخل مع حسابات الدول. غير أن الضحية في نهاية المطاف لم تكن العلاقات الثنائية، بل الإنسان البسيط الذي خاطر بحياته، وللأسف فقدها عدد منهم، وهو يبحث عن أفق اعتقد أنه يوجد على الضفة الأخرى.

غير أن أكثر ما يثير التأمل في مثل هذه المحطات ليس فقط عدد الضحايا أو حجم المأساة، بل أيضا البعد الرمزي في كيفية تفاعل المؤسسات معها. فقد أثار غياب تعزية رسمية أو خطاب واضح للترحم على الضحايا نقاشا واسعا في الرأي العام. ومن المهم التمييز هنا بين الوقائع والتفسير؛ إذ إن الجهات الرسمية لم تُقدم، بحسب المتاح للعموم، تفسيرا لهذا الغياب، ولذلك فإن أي قراءة لأسبابه تظل تحليلا وليست حقيقة مثبتة.

ومع ذلك، فإن الرموز لا تقل أهمية عن التصريحات السياسية. فالاعتراف الرمزي بقيمة الإنسان، سواء في حياته أو بعد وفاته، يساهم في ترسيخ الثقة والانتماء. وعندما يغيب هذا الاعتراف، قد يتولد لدى بعض فئات المجتمع شعور بأن الفرد لا يحظى بالمكانة التي يستحقها داخل الجماعة وداخل الوطن.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن غياب التعزية الرسمية أو خطاب الترحم على أرواح الضحايا، بصرف النظر عن أسبابه، قد يضاعف لدى جزء من الرأي العام الإحساس بأن العنصر البشري لا يحظى بالقيمة الرمزية التي يستحقها داخل المجال العمومي. وهذا الشعور، إذا ترسخ، لا يقتصر أثره على الجانب النفسي، بل قد يغذي ويعمق الرغبة في مغادرة وطن يشعر فيه البعض بأنه لا يكرم أبناءه وهم أحياء، ولا يمنحهم ما يعتبرونه حقهم في الاعتراف والوفاء بعد وفاتهم. وهذه قراءة تحليلية لتأثيرات محتملة على إدراك المواطنين، وليست توصيفا لحقيقة ثابتة تنطبق على الجميع.

ولا يقف أثر هذه المأساة عند حدود ماهو اجتماعي أوسياسي، بل قد يمتد إلى المجال الانتخابي. فقد تشكل الأحداث الاخيرة بمشاهدها القاسية رجة للوجدان الجمعي وأحد العوامل المؤثرة في السلوك الانتخابي، خاصة عندما ترتبط بمشاعر الغضب أو الإحباط أو فقدان الثقة في المؤسسات. ومن ثم، يمكن أن تؤثر تداعيات ما وقع في سبتة، وطريقة تدبيره والتواصل بشأنه، في اختيارات جزء من الناخبين خلال الاستحقاقات المقبلة.

وقد يتجلى هذا التأثير في اتجاهين متوازيين؛ أولهما ارتفاع منسوب العزوف الانتخابي لدى فئات ترى أن المؤسسات لم تعد قادرة على التعبير عن تطلعاتها أو حماية كرامتها. أما الاتجاه الثاني، فقد يتمثل في بروز ما يسميه علماء السياسة بـالتصويت العقابي، حيث يعمد الناخب إلى معاقبة الحزب أو الأحزاب التي يحملها المسؤولية السياسية عن تدبير المرحلة، وذلك بتحويل صوته إلى منافسين أو بالامتناع عن التصويت لها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المسؤولية السياسية أو القانونية ثابتة على جهة بعينها، بل إن السلوك الانتخابي يتشكل أيضا بفعل تصورات المواطنين وتقييماتهم للأحداث، سواء اتفقت أو اختلفت مع التقييمات الرسمية.

إن مأساة سبتة كشفت أن أزمة الهجرة ليست مجرد أزمة حدود، بل هي أزمة ثقة وأمل واعتراف. ولذلك فإن معالجتها لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو الدبلوماسية، بل تقتضي سياسات عمومية تعيد الاعتبار للإنسان باعتباره الغاية الأولى لكل تنمية، وتجعل من الكرامة والاعتراف والانتماء ركائز أساسية لبناء دولة قوية بثقة مواطنيها. فالأوطان لا تُقاس فقط بما تحققه من نمو اقتصادي وتنموي أو بما تديره من ملفات سياسية، وإنما أيضا بقدرتها على أن تجعل كل مواطن يشعر بأن حياته ذات قيمة، وأن وفاته لا تمر في صمت، وأن كرامته مصونة في جميع الأحوال.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.