بقلم / عثمان باقة
قدم الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، ذ.عبد السلام العزيز، في تدوينة منشورة على صفحته على الفايسبوك تحدث فيها عن تجربته الشخصية مع نقل القيد في اللوائح الانتخابية، معطيات تثير أسئلة جوهرية لا تتعلق بحالة فردية معزولة، بل بمدى قدرة المنظومة الانتخابية المغربية على توفير الضمانات الأساسية المطلوبة لنزاهة العملية الانتخابية، وفي مقدمتها سلامة اللوائح الانتخابية وشفافيتها واحترام حقوق الناخبين في التسجيل وفق مقار سكناهم او ما يصرحون به شخصيا.
لقد قلنا في مقالات سابقة بان الديمقراطية لا تقاس فقط بانتظام تنظيم الانتخابات أو بتعدد الأحزاب المشاركة فيها، وإنما تقاس أيضا بمدى احترام القواعد الإجرائية التي تضمن المساواة بين المواطنين، وتحمي حقهم في التسجيل والتصويت والترشح. فاللوائح الانتخابية ليست مجرد وثائق إدارية، بل هي أحد الأعمدة المؤسسة للمشروعية الديمقراطية، لأن أي خلل فيها ينعكس مباشرة على مصداقية العملية الانتخابية برمتها.
وتكتسي الشهادة التي قدمها عبد السلام العزيز الامين، العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، أهمية خاصة لأنها صادرة عن فاعل سياسي يمارس حقا قانونيا عاديا يتمثل في نقل قيده الانتخابي بعد تغيير محل إقامته، غير أن هذا المسار البسيط تحول، بحسب روايته، إلى سلسلة من الاختلالات الإدارية غير المفهومة؛ إذ انتقل قيده من دائرة انتخابية إلى أخرى دون طلب منه أو إشعار رسمي، في الوقت الذي بقي أفراد أسرته موزعين على دوائر انتخابية مختلفة رغم إقامتهم الفعلية في العنوان نفسه.
وبصرف النظر عن الطابع الساخر الذي صاغ به الكاتب روايته، فإن مضمونها يكشف عن إشكال مؤسساتي أكثر عمقا، يتمثل في غياب الوضوح والشفافية في تدبير قاعدة المعطيات الانتخابية، وضعف آليات الإخبار والتتبع، بما يجعل المواطن عاجزا عن معرفة الأساس القانوني والإداري الذي تم بموجبه تعديل وضعيته الانتخابية.
وتزداد خطورة هذه الوقائع عندما تقترن بما أشار إليه الأمين العام للحزب من حالات تشطيب طالت مرشحين ومناضلين من حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، دون إشعار مسبق، رغم أن المقتضيات القانونية المنظمة لمراجعة اللوائح الانتخابية تفرض إخبار المعنيين بالأمر وتمكينهم من ممارسة حقهم في الطعن داخل الآجال القانونية. فاحترام المساطر ليس مسألة شكلية، وإنما هو تجسيد لمبدأ الأمن القانوني الذي يشكل أحد مرتكزات دولة الحق والقانون.
ومن منظور علم السياسة، فإن الثقة في الانتخابات لا تبنى بواسطة الخطابات الرسمية أو النصوص القانونية وحدها، وإنما تتأسس على التجربة العملية للمواطنين والأحزاب مع الإدارة الانتخابية. وكلما تكررت الأخطاء أو الغموض في تدبير اللوائح، اتسعت فجوة الثقة بين المجتمع والمؤسسات، حتى وإن جرت عمليات الاقتراع في ظروف تنظيمية جيدة.
لقد أثبتت التجارب المقارنة أن تحديث الإدارة الانتخابية أصبح رهينا بالتحول الرقمي الكامل وربط قواعد البيانات العمومية فيما بينها. فوجود بطاقة تعريف وطنية موحدة، وسجل وطني للسكان، ومنظومة رقمية للإقامة، يجعل من الممكن اعتماد التسجيل التلقائي للناخبين وربطهم بعنوان إقامتهم الفعلي، مع إشعارهم إلكترونيا بكل تعديل يطرأ على وضعيتهم الانتخابية، بما يقلل من الأخطاء البشرية ويعزز الشفافية.
وفي الحالة المغربية، يبدو أن النقاش حول إصلاح المنظومة الانتخابية ينبغي ألا يقتصر على القوانين المنظمة للاقتراع أو نمط الاقتراع أو توزيع الدوائر، بل يجب أن يشمل أيضا تحديث الإدارة الانتخابية ذاتها، وضمان استقلاليتها التقنية، وتطوير آليات المراقبة والتدقيق، وإتاحة المعلومات للناخبين بشكل فوري وقابل للتحقق.
إن أي عملية انتخابية، مهما بلغت جودة تنظيمها يوم الاقتراع، تظل معرضة لفقدان جزء من مشروعيتها إذا لم يكن سجل الناخبين سليما ودقيقا وخاليا من الاختلالات التي قد تمس بحقوق المواطنين السياسية. فسلامة اللوائح الانتخابية ليست مسألة تقنية، وإنما هي مدخل أساسي لضمان المساواة في ممارسة الحق الدستوري في التصويت والترشح.
ومن هذا المنطلق، فإن ما أورده عبد السلام العزيز لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد واقعة شخصية أو سجالا حزبيا، بل باعتباره مساهمة في نقاش عمومي مطلوب حول حكامة الإدارة الانتخابية، وحول ضرورة الانتقال إلى منظومة أكثر شفافية ونجاعة، تجعل من حماية الحقوق السياسية للمواطنين أولوية مؤسساتية، وتكرس الثقة باعتبارها الرأسمال الحقيقي لأي نظام ديمقراطي. فالديمقراطية لا تبنى فقط بصناديق الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك من دقة اللوائح الانتخابية، ووضوح المساطر، والمساواة الكاملة بين جميع المواطنين أمام الإدارة والقانون.



















