المسؤول الجامعي.. من زمن الهيبة إلى زمن الإنبطاح

20 يوليو 2026
المسؤول الجامعي.. من زمن الهيبة إلى زمن الإنبطاح
بقلم : عبد الحق غريب

من أشد المشاهد بؤسا وإثارة للغثيان في جامعاتنا، هو ذلك السلوك الانبطاحي الذي يمارسه بعض رؤساء الجامعات والعمداء والمديرين، ونوابهم، ممن رهنوا كرامة المنصب واستقلالية الجامعة في سوق النفاق الاجتماعي والسياسي.

ولعل أسوأ تجليات هذا الهوان بجامعاتنا، هو أولئك المسؤولون الذين يرتضون لأنفسهم الوقوف لساعات طوال، مصطفين في طوابير مهينة، بانتظار قدوم عامل إقليم لمصافحته (قد يكون من خريجي نفس الجامعة)، في مشهد يختزل تبعية فجة وتنازلا مخزيا عن هيبة المنصب العلمي.

ولا يقل عن هؤلاء انبطاحا، أولئك الذين حولوا حساباتهم على الفايسبوك إلى “صكوك مديح وتملق” رخيص للوزير أو لرئيس الجامعة، حتى لو كان بالنيابة.. يسبحون بحمدهم كلما سمحت لهم الفرصة، ويسخرون منابر الفكر لصناعة أصنام إدارية زائلة، ضاربين بعرض الحائط قيم النزاهة الفكرية والأنفة الأكاديمية التي من المفترض أن تكون الحصن المنيع ضد كل أشكال الاستعباد والارتزاق.

تجد أحدهم لا يكاد يفتتح اجتماعا إلا ويستهله بالنشيد الوطني، وآخرا يغرق كل كلمة يلقيها أو يدونها بالاستشهاد بالخطب الملكية، وثالثا يختتم ملتقى علميا برسالة ولاء تفيض بعبارات الثناء والإطراء، بما يفوق ما تتضمنه برقيات الولاة والعمال، ورابعا يسارع إلى نشر رسائل التهنئة في كل مناسبة باسمه واسم كافة الأساتذة الباحثين والموظفين، وخامسا يجعل صورة الملك واجهة لحسابه على الفيسبوك، في ممارسات توحي بأن بعض المسؤولين يراهنون على مثل هذه الممارسات أملا في كسب الرضا، أو الحفاظ على مناصبهم، أو التطلع إلى مناصب أعلى.

لسوء حظهم، الواقع أثبت أن المبالغة في المديح، أو كثرة رسائل التهنئة وغير ذلك، لم تكن يوما ضمانة للاستمرار في المنصب.. منهم من أُعفي من مهامه قبل نهاية ولايته، ومنهم من لم ينل ثقة الوزارة لتدبير المؤسسة بالنيابة.

لماذا وصل بعض المسؤولين الجامعيين إلى هذا الوضع المؤسف؟

العوامل متعددة… لعل من أبرزها الكيفية التي كان يؤطر بها القانون رقم 00.01 تعيين رؤساء الجامعات والعمداء والمديرين، حيث كان الولاء والعلاقات الشخصية يطغيان أحيانا على الكفاءة والاستقلالية.. أما في حالات كثيرة فلم تكن المباريات، سوى مسرحيات لإضفاء الشرعية على نتائج محسومة سلفا.

لذلك، طالبت مرارا بتعديل القانون رقم 00.01، ومراجعة آليات تعيين المسؤولين بالجامعة، بما يجعل النزاهة والكفاءة والاستقلالية أساسا لتولي المسؤولية، واقعا وممارسة، لا مجرد شعارات أو نصوص على الورق.

للأسف الشديد جاء القانون الجديد رقم 59.24، ولم يحمل التغيير الجوهري المنتظر، حيث اقتصر على تعديلات شكلية، مما يجعل هذا الوضع مرشحا للاستمرار ما لم تراجع فلسفة تدبير المسؤولية الجامعية مراجعة حقيقية.

ختاما.. ما أحوج جامعاتنا إلى مسؤولين يستعيدون روح ذلك الزمن، حين كانت هيبة المسؤول الجامعي تنبع من علمه واستقلالية قراره، وكان حضوره يفرض الاحترام حتى على أصحاب السلطة… وتحية تقدير واحترام لكل مسؤول جامعي حافظ على أنفته واستقلالية قراره، وآمن بأن هيبة المنصب تصان بالعلم والنزاهة والشخصية المستقلة، لا بالتملق ولا بالسعي إلى كسب الرضا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.