شكلت الندوة الوطنية المتميزة التي نظمها قطاع المحامين لفيدرالية اليسار الديمقراطي محطة فكرية ونضالية بالغة الأهمية، نجحت في تشريح واقع منظومة العدالة بالمغرب وفتحت نقاشاً حارقاً وعميقاً حول الدينامية التشريعية الراهنة التي تثير الكثير من القلق في الأوساط القانونية والحقوقية. وقد حظي هذا اللقاء الوطني البارز بحضور وازن ونوعي ضم نخبة من السادة القضاة، والمحامين الممارسين من مختلف الهيئات، إلى جانب ثلة من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين والمثقفين المهتمين بالشأن العام، والذين التأموا جميعاً في سياق وطني دقيق يتسم باحتقان غير مسبوق وجدل واسع النطاق يحيط بمشاريع القوانين المؤطرة لقطاع العدالة في البلاد.
وقد انصبت المداخلات والتحليلات الرصينة التي شهدتها الندوة على تقديم تشخيص دقيق وجريء للمسارات التي اتخذتها الصياغات التشريعية الأخيرة، لا سيما ما يتعلق بمشاريع القوانين الإجرائية والمهنية الأساسية وعلى رأسها مشروعي قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية، بالإضافة إلى المساعي المرتبطة بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة نفسها.
وفي هذا الإطار، عبر المشاركون بصوت واحد عن قلقهم الشديد واحتجاجهم على المقاربة الحكومية المعتمدة في تدبير هذه الملفات التشريعية المصيرية، واصفين إياها بالمقاربة الانفرادية والعمودية التي تعمدت تغييب الإشراك الحقيقي والفعلي لجمعية هيئات المحامين بالمغرب، والالتفاف على المقاربة التشاركية الحقيقية مع باقي الشركاء الفاعلين في حقل العدالة، وهو ما أنتج نصوصاً قانونية تحمل في طياتها تراجعات خطيرة ومقلقة.
ولم يتوان المتدخلون في التحذير من المقتضيات التراجعية الكثيرة التي حملتها هذه المشاريع، مؤكدين أنها تضرب في العمق التراكم الحقوقي والمكتسبات الدستورية التي كرسها دستور المملكة لسنة 2011، فضلاً عن كونها تتنافى بشكل صارخ مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب والتزم بالوفاء بها.
ونبهت النقاشات إلى أن محاولات التضييق على أدوار الدفاع، أو تقليص مجالات تدخله الإلزامي والضروري في المساطر القضائية، أو إضعاف مركزه الاعتباري، لا يمثل مجرد استهداف فئوي لمهنة المحاماة أو تضييقاً على المنتسبين إليها، بل هو في جوهره وجوهره الحقيقي مساس مباشر وخطير بحقوق المواطنات والمواطنين، وتهديد حقيقي لحقهم الدستوري في ولوج مستنير وآمن ومكفول إلى العدالة، فضلاً عن كونه يقوض بشكل دراماتيكي شروط وضمانات المحاكمة العادلة التي تشكل عصب أي نظام ديمقراطي.
كما أفردت الندوة مساحة واسعة للنقاش حول التلازم البنيوي والمطلق بين استقلالية السلطة القضائية من جهة، وتحصين حصانة الدفاع من جهة ثانية، حيث أجمع الحاضرون على أن استقلال القضاء ليس برستيجاً أو امتيازاً فئوياً خاصاً بجسم القضاة، بل هو أمانة وحق أصيل للمتقاضين وضمانة مؤسساتية لحماية الحقوق والحريات من أي شطط أو انحراف بالسلطة. وأكد المشاركون أنه لا يمكن تصور قضاء مستقل، قوي وعادل في بيئة قانونية وعملية تعمد إلى ترهيب الدفاع، أو النيل من هيبته، أو إفراغ حصانة المحامي من محتواها العملي والقانوني داخل الجلسات أو أثناء ممارسة مهامه النبيلة، معتبرين أن إضعاف المحامي هو بالضرورة إضعاف لمنظومة العدالة برمتها وهدم لأسس الثقة المفترضة في أحكامها ومساطرها.
وفي ختام هذا الزخم الفكري والنقاش المستفيض، توجت الندوة الوطنية أشغالها بصياغة وإصدار جملة من التوصيات الحازمة والمخرجات الاستراتيجية التي وضعت معالم خارطة طريق واضحة للمرحلة المقبلة، حيث طالبت الندوة بإلحاح بضرورة التراجع الفوري عن المقاربات الإقصائية وفتح حوار تشريعي ديمقراطي وتشاركي حقيقي يضم كافة الفاعلين، كما أعلنت الرفض القاطع والمطلق لكل المقتضيات التشريعية والتدابير التمييعية التي تستهدف النيل من نبل رسالة المحاماة وحصانتها التاريخية.
وشددت المخرجات على وجوب التنزيل الديمقراطي والحقيقي للمبادئ الدستورية الكفيلة بضمان الحياد التام للسلطة القضائية ونأيها عن أي تجاذبات، واختتمت الندوة بتوجيه نداء حار ومسؤول لكافة الضمائر الحية والهيئات المهنية والحقوقية والسياسية الديمقراطية في البلاد، لتوحيد الجهود وبناء جبهة نضالية واسعة تتكتل للدفاع عن مقومات المحاكمة العادلة وحقوق المتقاضين، باعتبارها قضية مجتمعية مصيرية وأولوية ديمقراطية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار بناء دولة الحق والقانون والمواطنة الكاملة.



















