حين يتحول خوف الأطفال إلى فرجة جماعية تحت غطاء “التراث”

منذ ساعتين
حين يتحول خوف الأطفال إلى فرجة جماعية تحت غطاء “التراث”

أثار مقطع فيديو متداول من مهرجان بوجلود بأكادير موجة من الاستياء والغضب، بعدما وثّق لحظات مرعبة لطفل صغير وجد نفسه مطارداً من طرف أشخاص يرتدون جلود الماعز وسط أجواء من الضحك والتصفيق والتشجيع. مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالاً مؤرقاً حول الحدود الفاصلة بين الاحتفال بالموروث الشعبي واحترام كرامة الطفل وسلامته النفسية.

الطفل الذي ظهر في الفيديو لم يكن يشارك في لعبة اختارها بإرادته، وإنما كان يعيش حالة خوف حقيقية بدت واضحة في حركاته وردود فعله. ورغم ذلك، استمر المشهد أمام أعين الحاضرين الذين تعامل بعضهم مع الأمر باعتباره جزءاً من الفرجة والعادات المرتبطة بالمهرجان.

المثير للانتباه أن كلمة “التراث” تتحول في كثير من الأحيان إلى درع جاهز لتبرير ممارسات تثير الكثير من علامات الاستفهام. فالموروث الثقافي قيمة إنسانية نبيلة عندما يساهم في تعزيز الهوية الجماعية ونشر الفرح وترسيخ روح الانتماء، أما عندما يرتبط بإخافة الأطفال وإدخال الرعب إلى نفوسهم، فإن من حق المجتمع أن يطرح الأسئلة وأن يطالب بالمراجعة والتصحيح.

وتزداد حدة التساؤلات أمام الصمت الذي يلف عدداً من الأصوات والجمعيات التي ترفع شعارات الدفاع عن الطفولة. فحقوق الطفل لا تعرف استثناءات ولا تخضع لحسابات انتقائية. الطفل يبقى طفلاً في جميع الظروف، والخوف الذي يشعر به لا يتغير تبعاً لهوية من تسبب فيه أو المناسبة التي وقع خلالها.

إن التطور الحقيقي لأي مجتمع يقاس بقدرته على مراجعة بعض الممارسات وتصحيحها كلما تبين أنها تتعارض مع كرامة الإنسان أو تمس الفئات الأكثر هشاشة. أما التمسك الأعمى بكل ما ورث عن الماضي، دون إخضاعه للنقاش والتقييم، فيجعل بعض العادات فوق النقد وفوق مصلحة الإنسان نفسه.

الاحتفاء بالتراث مسؤولية جماعية، وحماية الأطفال مسؤولية أكبر. وعندما يحدث تعارض بينهما، فإن الأولوية تذهب دائماً إلى الطفل وحقه في الشعور بالأمان والطمأنينة. فالأجيال القادمة تحتاج إلى تراث يزرع الفرح في الذاكرة، ويصنع لحظات جميلة تظل راسخة في الوجدان، بعيداً عن مشاهد الخوف والرعب التي لا يمكن أن تتحول إلى قيمة ثقافية مهما تعددت المبررات.

فالتراث الذي يستحق الاستمرار هو ذلك الذي يرفع من قيمة الإنسان، ويصون كرامته، ويجعل الأطفال يبتسمون بفخر، لا أن يركضوا مذعورين وسط تصفيق المتفرجين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.