الموظف الذي لا يرفض… يدفع الثمن

منذ 3 ساعات
الموظف الذي لا يرفض… يدفع الثمن
كلاش بريس / عمر الشاشي

يستنزفُ كثير من الموظفين طاقتهم اليومية وهم يعتقدون أن الاجتهاد وحده يكفي لصناعة النجاح داخل بيئة العمل، فيقبلون كل المهام، ويتحملون ضغوطًا فوق طاقتهم، ويؤجلون راحتهم وصحتهم النفسية فقط حتى يُنظر إليهم كأشخاص “ملتزمين” أو “متفانين”. غير أن الواقع المهني يكشف مع مرور الوقت حقيقة صادمة: الموظف الذي لا يعرف كيف يضع حدودًا، يتحول بسهولة إلى الحلقة الأضعف داخل المؤسسة.

تبدأ القصة غالبًا بحسن نية. موظف يساعد الجميع، ينجز أعمالًا إضافية، ويصمت أمام التجاوزات اعتقادًا منه أن التضحية ستقوده إلى التقدير والترقية. لكن بيئات العمل غير المتوازنة لا ترى الصمت أخلاقًا دائمًا، وإنما تعتبره فرصة للاستغلال. وهكذا يجد الموظف نفسه محاصرًا بين ضغط المهام، والإرهاق النفسي، والشعور الدائم بأنه مطالب بإثبات نفسه أكثر من الآخرين.

المشكلة لا تكمن في الاجتهاد، وإنما في غياب الحدود. فالموظف الذي لا يقول “لا” في الوقت المناسب، يفتح الباب تدريجيًا أمام الإهانة والتقليل من قيمته المهنية. يتحول من شخص محترم إلى شخص يُلقى على كتفيه كل شيء، لأنه ببساطة اعتاد الصمت. والأسوأ أن بعض الإدارات تستغل هذا النوع من الموظفين دون أي تقدير حقيقي، فتضاعف عليهم الأعباء بينما تمنح الامتيازات لمن يعرفون كيف يفرضون احترامهم.

الكرامة المهنية ضرورة. الموظف يحتاج إلى الاحترام بقدر حاجته إلى الراتب، لأن بيئة العمل التي تُهين الإنسان تسلبه ثقته بنفسه وتدفعه تدريجيًا نحو الاحتراق النفسي وفقدان الشغف. لذلك أصبح الوعي بالحقوق المهنية وبأهمية وضع الحدود الشخصية أمرًا أساسيًا لكل شخص يريد الاستمرار بكرامة داخل عالم الشغل.

قول “لا” لا يعني التمرد أو قلة الاحترام، وإنما يعني حماية النفس من الاستنزاف. الموظف الناجح هو الذي يعرف كيف يوازن بين واجباته وكرامته، بين الانضباط واحترام ذاته. فالمؤسسات تحترم غالبًا الأشخاص الذين يعرفون قيمتهم، لا أولئك الذين يقبلون كل شيء خوفًا من الرفض أو العقاب.

وفي زمن تتزايد فيه الضغوط المهنية، أصبحت الحاجة ملحة لنشر ثقافة تحمي الموظف من الاستغلال النفسي والإداري، وتؤكد أن النجاح الحقيقي لا يتحقق على حساب الكرامة الإنسانية. لأن العمل يجب أن يكون وسيلة للعيش بكرامة، لا ساحة يومية للإهانة والصمت والمعاناة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.