اخنوش و “حَصْلَة” ولاية حكومية !!

منذ 3 ساعات
اخنوش و “حَصْلَة” ولاية حكومية !!

قدّم رئيس الحكومة أمام البرلمان عرضاً حول الحصيلة الحكومية خلال الولاية الجارية، غير أن ما طُرح من معطيات رقمية يثير نقاشاً واسعاً حول مدى دقتها وانسجامها مع المؤشرات الرسمية الصادرة عن المؤسسات الإحصائية الوطنية والدولية، خاصة المندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب والبنك الدولي.
في ما يتعلق بالنمو الاقتصادي، تحدث العرض الحكومي عن متوسط يقارب 4.5% خلال الفترة ما بين 2021 و2025، غير أن المعطيات المتوفرة ترسم صورة مختلفة نسبياً. فبحسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط، سجل الاقتصاد الوطني سنة 2022 نمواً في حدود 1.3%، قبل أن يرتفع إلى حوالي 3.7% سنة 2023، ثم 3.8% سنة 2024، مع تقديرات تناهز 4.6% سنة 2025. وعند احتساب متوسط هذه السنوات، يتبين أنه يدور في حدود 3.6% تقريباً، أي أقل من الرقم الذي تم تقديمه في الخطاب الحكومي.
هذا التباين يظهر أيضاً عند مقارنة الأرقام مع مصادر أخرى. فبنك المغرب يقدم مساراً قريباً، بمتوسط يناهز 3.7%، فيما يذهب البنك الدولي إلى تقديرات أكثر تحفظاً تقارب 3.3% لنفس الفترة، ما يعزز فكرة وجود فجوة بين الخطاب السياسي والقراءة الإحصائية المتاحة.
في ما يخص التشغيل، تحدث العرض الحكومي عن إحداث حوالي 850 ألف منصب شغل خلال الولاية، بمعدل يقارب 170 ألف منصب سنوياً. غير أن مؤشرات سوق الشغل تظهر اتجاهاً مختلفاً، حيث ارتفع عدد العاطلين من حوالي 1.44 مليون شخص سنة 2022 إلى ما يفوق 1.62 مليون سنة 2025. كما استقر معدل البطالة في مستويات تفوق 13% خلال هذه الفترة، مع تسجيل نسب أعلى في صفوف الشباب التي تتجاوز 30% في بعض الفترات.
وتشير هذه المعطيات إلى أن وتيرة إحداث فرص الشغل لم تكن كافية لتعويض فقدان مناصب العمل، خصوصاً في العالم القروي المتأثر بالجفاف وتراجع النشاط الفلاحي، ما جعل الأثر الصافي للتشغيل محدوداً مقارنة بالأرقام المعلنة.
أما على مستوى الأسعار، فقد شهدت البلاد موجة تضخم قوية خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقل معدل التضخم من مستويات منخفضة قبل 2022 إلى حوالي 6.6% سنة 2022، ثم 6.1% سنة 2023، قبل أن يتراجع نسبياً بين 3% و4% خلال 2024 و2025. غير أن هذا التراجع النسبي لم يعكس تراجعاً فعلياً في الأسعار، بل فقط تباطؤاً في وتيرة الارتفاع، ما يعني أن مستويات الأسعار ظلت مرتفعة بشكل تراكمي.
وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على القدرة الشرائية، خاصة في ظل ركود الأجور. كما لعبت أسعار المحروقات دوراً محورياً في تغذية هذا المسار، حيث تجاوزت في فترات متعددة 15 درهماً للتر بالنسبة للغازوال، وبلغت مستويات أعلى للبنزين، وهو ما أثر على النقل وكلفة الإنتاج وأسعار مختلف السلع.
وفي المواد الغذائية، سجلت الأسعار زيادات مهمة، خاصة في الزيوت والخضر واللحوم، حيث تجاوزت بعض الارتفاعات 20% إلى 30% مقارنة بما قبل 2022. كما عرف قطاع اللحوم الحمراء قفزات لافتة وصلت في بعض الأسواق إلى أكثر من 100 درهم للكيلوغرام، بفعل تراجع القطيع الوطني وارتفاع كلفة الأعلاف، إلى جانب اختلالات في سلاسل التوزيع.
ورغم تخصيص الحكومة اعتمادات مالية مهمة لدعم بعض القطاعات، خصوصاً النقل والاستيراد والأعلاف، فإن أثر هذه التدخلات على الأسعار النهائية ظل محدوداً. وتشير معطيات متعددة إلى أن جزءاً من هذا الدعم لم ينعكس بشكل مباشر على المستهلك، بسبب استمرار حلقات الوساطة وضعف آليات التتبع والمراقبة.
في المقابل، واصل الدين العمومي منحاه التصاعدي، حيث انتقل من حوالي 911 مليار درهم سنة 2022 إلى ما يفوق 1124 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة تفوق 200 مليار درهم خلال أربع سنوات فقط. كما تتوقع مؤسسات دولية استمرار ارتفاع نسبة المديونية إلى مستويات قد تقترب من 75% من الناتج الداخلي الخام في السنوات المقبلة.
أما في ما يتعلق بورش الحماية الاجتماعية، فرغم توسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية لتشمل ملايين المواطنين، فإن المعطيات الرسمية تشير إلى وجود فجوة بين التغطية القانونية والاستفادة الفعلية، مع بقاء ملايين الأشخاص خارج الاستفادة الفعلية أو في وضعيات غير مفعلة حقوقياً، إضافة إلى ارتفاع متسارع في نفقات النظام مقارنة بنمو موارده.
وفي مجال الاستثمار العمومي، ورغم الإعلان عن رصد مئات المليارات من الدراهم لتمويل مشاريع كبرى في البنية التحتية، فإن عدداً من الأوراش الاستراتيجية يعرف تأخراً في الإنجاز مقارنة بالآجال المعلنة، سواء تعلق الأمر بالموانئ أو مشاريع الماء أو النقل، وهو ما يطرح إشكال التزام الزمن الاقتصادي للمشاريع العمومية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة