سطات: حين تتحول الواجبات العادية إلى مادة للدعاية الانتخابية

7 يونيو 2026
سطات: حين تتحول الواجبات العادية إلى مادة للدعاية الانتخابية

فتح الله حافظي

يبدو الإخبار الأخير الصادر عن جماعة سطات، والمتعلق باقتناء خيام جديدة وسيارة لنقل الأموات واستكمال إجراءات اقتناء سيارة للإسعاف، للوهلة الأولى خبراً عادياً يدخل في إطار التواصل المؤسساتي مع المواطنين. غير أن توقيته وطريقة تقديمه يفرضان أكثر من علامة استفهام حول الحدود الفاصلة بين إخبار الساكنة بحقها في المعلومة وبين تسويق أعمال تدخل أصلاً في صميم الاختصاصات العادية للجماعة.

فليس من باب المزايدة التقليل من أهمية هذه التجهيزات أو التشكيك في ضرورتها، بل إن الإشكال يكمن في تحويل ما يفترض أن يكون واجباً طبيعياً على الجماعة إلى ما يشبه الإنجاز الاستثنائي الذي يستحق الإشادة والاحتفاء. فسيارة الإسعاف ليست مشروعاً تنموياً، وسيارة نقل الأموات ليست مؤشراً على الإقلاع الاقتصادي، والخيام ليست بديلاً عن السياسات العمومية المحلية القادرة على تحسين شروط عيش المواطنين.

ومن منظور آخر، فإن الخدمات العمومية ليست هبات توزعها المؤسسات على السكان، بل حقوق تُمول من المال العام وتندرج ضمن الالتزامات الأساسية للمجلس الجماعي. لذلك فإن معيار نجاح التدبير المحلي لا يقاس بعدد المعدات المقتناة، وإنما بقدرته على معالجة الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المدينة.

فالساكنة لا تبحث فقط عن خيام للمناسبات، بل عن مدينة منظمة ونظيفة وآمنة. تبحث عن فضاءات ثقافية ورياضية تليق بالشباب، وعن أحياء تستفيد من العدالة المجالية، وعن فرص شغل تحفظ الكرامة، وعن مرافق عمومية تحترم الإنسان. وهي أسئلة لا تجد جوابها في صور التجهيزات ولا في البلاغات الاحتفالية.

ولعل ما يزيد من مشروعية هذا التساؤل هو أن مثل هذه الإخبارات تتكاثر عادة كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية. فتتحول الأعمال الروتينية إلى مادة للتواصل المكثف، ويصبح تدبير اليومي إنجازاً استراتيجياً، وكأن المدينة لم تكن تنتظر سوى اقتناء بعض المعدات لتدخل مرحلة جديدة من التنمية.
غير أن الواقع أكثر عناداً من البلاغات. فسطات ما تزال تواجه تحديات حقيقية في مجالات التهيئة الحضرية والنظافة وجودة الخدمات وتأهيل المرافق العمومية. وما يزال المواطن البسيط يقيس نجاح الجماعة بما يراه في الشارع والسوق والحي، لا بما يقرأه في المنشورات الرسمية.

إن أخطر ما يمكن أن يقع في العمل الجماعي هو الخلط بين الواجب والإنجاز، وبين الخدمة العمومية والدعاية السياسية. فحين يصبح توفير الحد الأدنى من الوسائل اللوجستيكية حدثاً استثنائياً، فإن ذلك يكشف ضمناً حجم الفراغ الذي تعانيه الحصيلة التنموية الحقيقية.

لذلك يبدو أن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه سكان سطات اليوم ليس: كم خيمة اقتنت الجماعة؟ أو كم سيارة وضعت رهن الإشارة؟ بل: أي مدينة نريد؟ وأي حصيلة تنموية تحققت بعد سنوات من التدبير؟ لأن المدن لا تُبنى بالبلاغات، ولا تُقاس نهضتها بعدد المعدات المقتناة، بل بمدى قدرتها على توفير العدالة الاجتماعية والكرامة وجودة الحياة لمواطنيها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.