حينما قال نوبير الأموي .. “وطن الإنسان حقوقه”

22 أغسطس 2026
حينما قال نوبير الأموي .. “وطن الإنسان حقوقه”
عثمان باقة

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يختصر، ربما أكثر من عشرات الخطب والمقالات، جانبا مؤلما من واقعنا المغربي، فيديو لمسيرة طويلة من المهاجرين المغاربة الذين نجحوا في الوصول جماعيا إلى سبتة، تقودهم القوات العمومية الإسبانية نحو مراكز الإيواء المخصصة للمهاجرين واللاجئين، بعدما رفض عدد منهم العودة إلى المغرب، بل إن بعضهم دخل في إضراب عن الطعام احتجاجا على إعادتهم.

لكن ما يستوقف في المشهد ليس فقط عدد هؤلاء، ولا الطريقة التي وصلوا بها، ولا موقف السلطات الإسبانية، انها الابتسامات. الفيديو تتضمن شابا يمشي مبتسما، وآخر يرفع شارة النصر، وآخرون يتبادلون إشارات الفرح، وكأنهم خارجون من معركة منتصرين.وهنا يفرض المشهد سؤالا موجعا: الانتصار في ماذا؟ وعلى من؟ هل انتصروا على بلدهم المغرب؟ انتصروا لانفسهم في وجه من؟ وما هي النتيجة؟

ربما لا ينبغي أن نقرأ المشهد بهذه البساطة. قد يكون انتصارهم، في وعيهم، على اليأس، على البطالة، على الإحساس بانسداد الأفق، على الخوف من المستقبل، أو على واقع لم يعد يقنعهم بأن الغد في وطنهم سيكون أفضل من اليوم. وهنا تكمن خطورة الصورة!!

فالمواطن الذي يخاطر بحياته من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، ثم يرفض العودة إلى بلده، لا يمكن اختزال موقفه في كونه مواطنا يكره وطنه. لكنه، بالتأكيد، يعبر عن أزمة عميقة في علاقته بهذا الوطن وفي ثقته بالمستقبل داخله.

في الوقت الذي نجد فيه اعلامنا الممول من جبوب دافعي الضرايب غارقا في “التنكيف” لمنجزات لم تصل الى الفئات الهشة والمتضرر من ابناء الوطن، كانت عدسات العالم تلتقط صورة أخرى لمغرب مختلف: مغاربة يعبرون جماعيا نحو إسبانيا، وبعضهم يصر على عدم العودة.

وهنا يصبح السؤال موجها، قبل أي جهة أخرى، إلى الإعلام العمومي المغربي: أين كان؟ لماذا لم تتحول هذه الظاهرة إلى موضوع للنقاش والتحليل الموضوعي وللاستقصاء؟

لماذا لا يسأل الإعلام هؤلاء الشباب: لماذا غادرتم؟ ماذا تركتم وراءكم؟ ماذا تبحثون عنه في الضفة الأخرى؟ ولماذا تفضلون الإقامة في مراكز الإيواء على العودة إلى بلدكم؟ ليس المطلوب من الإعلام أن يسيء إلى الوطن، ولا أن يقدم الهجرة باعتبارها انتصارا. المطلوب منه أن يقوم بوظيفته الحقيقية: أن يرى الواقع كما هو، وأن يسأل الأسئلة التي لا يريد أحد سماعها.

فالإعلام الذي لا يرى إلا ما يرضي السلطة، ولا يعرض إلا الصورة الجميلة، ولا يحتفي إلا ب”النجاحات”، ولا يقترب من الإخفاقات إلا بحذر شديد، يفقد وظيفته الاجتماعية ويتحول من إعلام عمومي إلى إعلام للتلميع العمومي. والأمر لا يتوقف عند الإعلام، هناك المدرسة.

فالمدرسة ليست مكان لتلقين المعارف فقط؛ إنها المؤسسة التي يفترض أن تصنع المواطن، وأن تبني علاقة الإنسان بوطنه على أساس الوعي والحقوق والمسؤولية والمشاركة. لكن ماذا يعني أن نعلم الطفل حب الوطن، ثم يكبر الشاب وهو لا يرى في وطنه ما يكفي من أسباب البقاء؟ ماذا يعني أن نلقنه قيم المواطنة، بينما لا يجد أمامه دائما مدرسة عمومية ذات جودة، ولا فرصا متكافئة في المباريات، ولا شغلا لائقا، ولا شعورا كافيا بالعدالة والإنصاف؟ المواطنة لا تدرس بالشعارات وحدها. المواطنة تبنى بالحقوق. ولهذا فإن مشهد الشباب المغاربة في سبتة ينبغي أن يكون درسا للمدرسة والإعلام قبل أن يكون مادة للاتهام أو التبرير.

فالمدرسة والإعلام كلاهما فشل، بدرجات مختلفة، في بناء ذلك الوعي النقدي الذي يجعل المواطن قادرا على فهم وطنه، ونقده، والمساهمة في إصلاحه، والتمسك به لأنه يشعر بأنه شريك فيه ، والمفارقة أن الإعلام الرسمي نفسه يبدو عاجزا عن مساءلة أسباب هذا الفشل.

منذ أكثر من عشرين سنة، يتربع على عرش المسؤولية عن أحد أهم القطاعات الإعلامية شخص من “المقربين”، وتتوالى الإخفاقات، وتتغير الحكومات والوزراء، بينما يبقى المسؤولون عن هذا القطاع في مواقعهم. من يحاسب عن الفشل؟

وإذا كان القطب الإعلامي الأول لم يستطع بناء إعلام عمومي يواكب التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي، فإن القطب الثاني لا يبدو أكثر قدرة على ذلك. ولذلك ربما آن الأوان، في لحظة من السخرية المريرة، لأن نتوقف عن الحديث عن «القطبين الإعلاميين»، وأن نسميهما كما دائما في كثير من الأحيان: القطبين المتجمدين.

متجمدين أمام أسئلة المجتمع، متجمدين أمام التحولات الاجتماعية، متجمدين أمام الاحتجاجات والاختلالات، ومتجمدين، قبل كل شيء، أمام مشهد مغاربة يعبرون نحو إسبانيا في الوقت الذي كان فيه الإعلام الرسمي غارقا في امور اخرى بعيدة عن الواقع المعيش المر.

ان أصعب ما في المشهد ليس أن هؤلاء الشباب وصلوا إلى سبتة.
الأصعب هو أنهم كانوا يبتسمون، والأصعب من الابتسامة هو شارة النصر، لأن السؤال سيظل معلقا: حين يرفع مواطن مغربي شارة النصر وهو يغادر وطنه، فمن الذي يعتقد أنه انتصر عليه؟

قد يكون انتصاره، في نظره، على الفقر، أو على البطالة، أو على اليأس، أو على الإحساس بأن الأبواب مغلقة، لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا فعلنا حتى أصبحت مغادرة الوطن تبدو لبعض أبنائه انتصارا؟ وهنا نستحضر قولة النقابي والمناضل المغربي الفذ نوبير الأموي: «وطن الإنسان حقوقه»، إنها جملة ذات دلالة قوية وتختصر فلسفة كاملة في معنى الوطن والمواطنة.

نوبيرا الاموي الذي كان قريبا جدا من البؤساء، كان يدافع عنهم، ويناضل من اجلهم، لانه احبهم ورأى فيهم الوطن الجريح
فالوطن ليس مجرد أرض نولد فوقها، ولا حدودا جغرافية، ولا علما ونشيدا، ولا خطابا رسميا، ولا بروتوكولات او احتفالات سنوية، الوطن هو الحقوق. نوبير الاموي لم يناضل، لم يقدم التضحيات الجسام هو ورفاق دربه الذين قضوا، وقليل منهم باقون، من اجل امتياز ما ؟!

آمنوا بان حق الإنسان في الكرامة، وفي التعليم الجيد، وفي الصحة، وفي العمل، وفي العدالة، وفي الحرية، وفي تكافؤ الفرص، وفي أن يشعر بأنه شريك حقيقي في صناعة مستقبل بلده.

وحين تتسع المسافة بين المواطن وحقوقه، تبدأ علاقته بالوطن في الاهتزاز. وحين تصبح الحقوق ناقصة، أو مؤجلة، أو امتيازا لفئات دون أخرى، لا يكفي أن نطلب من الإنسان أن يحب وطنه.

علينا كاحزاب ونقابات وجمعيات مناضلة أن نجعل الوطن جديرا بحبه،
فالوطن الذي يريد أبناءه أن يبقوا فيه لا يحتاج إلى المزيد من التطبيل، بل إلى المزيد من الحقوق. والوطن الذي يريد أن يبني مواطنين حقيقيين لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات، بل إلى مدرسة تعلم المواطنة، وإعلام يمارسها، ودولة تضمنها، وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا هاجر هؤلاء الشباب؟ بل: أي وطن نريد أن نبني حتى يصبح البقاء فيه هو الانتصار، لا مغادرته؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يوقظ الإعلام، والمدرسة، والحكومة، والمجتمع كله.

لأن وطن الإنسان حقوقه، كما قال وكرر ذلك الفقيد نوبير الاموي .
وحين تمتلئ حقوق الإنسان في وطنه، يصبح الانتماء إليه كرامة، والبقاء فيه اختيارا، والمواطنة ممارسة حقيقية.
أما حين تغيب الحقوق، فلا يكفي أن نطلب من الإنسان أن يحب الوطن.
علينا أن نبني وطنا يستحق أن يُحب.
وهذا هو الطبل الكبير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.