كلاش بريس / الرباط
لم تعد معضلة تجديد رخص السياقة والبطائق الرمادية مجرد تعثر إداري طارئ، بل تحولت إلى أزمة مستمرة تكتوي بلهيبها بعض السائقين اليوم..
مواطنون وجدوا أنفسهم رهائن لوصولات مؤقتة انتهت مدة صلاحيتها (60 يوماً)، ليمتد الانتظار لأكثر من أربعة أشهر، في ضرب صارخ لمصالحهم المهنية والشخصية، وتشريد إداري يضعهم في مواجهة يومية مع خطر المخالفات في الطرقات.
وما يزيد الطين بلة، هو استمرار تسلل أخطاء تقنية كارثية للوثائق الصادرة؛ صور أشخاص آخرين تُطبع على بطائق رسمية، وبيانات حيوية تُحجب بسبب توقيعات عشوائية. اختلالات لا تعكس سوى غياب المراقبة الدنيا لجودة الطباعة، بينما يُفرض على المرتفق إعادة المسطرة الإدارية من نقطة الصفر، وتحمل هدر جديد للوقت والجهد دون أدنى اعتذار
هذا ملف أثير مراراً في وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل، لكن الغائب الأكبر كان دائماً هو التوضيح الشافي من الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا).
إصرار عجيب على تجاهل نداءات المتضررين وكأن المعاناة تدور في كوكب آخر، مما يرسخ قناعة لدى الجميع بأن الوكالة تطبق سياسة “أذن من طين وأذن من عجين” أمام هول الأخطاء والتأخيرات الحاصلة.
هذا الصمت المريب يكشف بوضوح عن عقيدة تواصلية اختلالية لدى “نارسا”؛ إذ أصبحت تتقن هندسة الخروج الإعلامي الانتقائي. تهرول الوكالة لملء الشاشات وتنظيم البهرجة الصحفية عندما يتعلق الأمر ببطولات وهمية، أو إطلاق أرقام استعراضية، أو تقديد حصيلات وردية تُظهرها في مظهر المؤسسة المبتكرة المنقذة، بينما تلوذ بالفرار وتختفي تماماً كالأشباح بمجرد ما تقع الأزمات وتتفجر الاختلالات الحقيقية.
هذا التناقض الفاضح يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا تتوارى “نارسا” عن الأنظار وتلعب دور “المزهرية” عندما يتطلب الأمر مواجهة الشارع بشجاعة؟
أليس احترام المواطن يقتضي الخروج ببلاغ رسمي يوضح الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتباك اللوجستي والتقني، ويقدم أجندة زمنية دقيقة لإنهاء كابوس التأخير، بدل ترك المرتفقين يواجهون قدرهم في طوابير الانتظار؟
إن الخدمة العمومية ليست منصة لالتقاط الصور وارتداء حلة البطولة في الأوقات السهلة، بل هي التزام ومسؤولية قانونية وأخلاقية تتجلى في الأزمات.
لقد حان الوقت لـ”نارصا” كي تتخلى عن هذا التكتيك المتجاوز، وتخرج للرأي العام بتوضيحات حقيقية وحلول حاسمة تنهي مهزلة الوثائق، لأن المواطن لم يعد يطيق دور الضحية في لعبة الصمت والهروب إلى الأمام.













