تقرير يورط الحكومة ويحمّلها مسؤولية اختلالات سوق الماشية

منذ 5 ساعات
تقرير يورط الحكومة ويحمّلها مسؤولية اختلالات سوق الماشية

أظهرت نتائج التقرير الذي أعدته لجنة الرصد والتوثيق بالعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن أزمة أسعار الأضاحي واختلالات سوق الماشية في المغرب، أبانت عن ضعف بنيوي عميق في منظومة تدبير قطاع تربية الماشية، وعن قصور فاضح في آليات المراقبة والتنظيم، مما أفسح المجال على مصراعيه أمام الممارسات الاحتكارية والمضاربات غير المشروعة التي تضر بالمستهلك والمنتج الصغير على حد سواء.
واعتبرت لجنة الرصد في التقرير الذي اطلع عليه الموقع، أن تضارب المعطيات الرسمية، وغياب الشفافية المطلقة في نشر الإحصائيات الدقيقة والمحينة، ومحدودية فعالية برامج الدعم العمومي التي لم تحقق أهدافها المرجوة، كلها عوامل تضافرت لتساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية، وتثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الدولة بضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها.

اختلالات بنيوية

ورصد التقرير ذاته، أن قطاع تربية الماشية في المغرب يعاني من اختلالات هيكلية مزمنة ومتجذرة، لا تقتصر على الجوانب الظرفية بل تمتد لتشمل بنية القطاع بأكمله، وتتجلى في ضعف تنظيم سلاسل الإنتاج، حيث تفتقر هذه السلاسل إلى التنسيق الفعال بين مختلف الفاعلين، من المربين الصغار إلى كبار الموزعين. هذا النقص في التنظيم يؤدي إلى فوضى في السوق، وغياب للشفافية، وصعوبة في تتبع مسار المنتجات.
كما تتفاقم المشكلة بسبب تعدد حلقات الوساطة غير المنتجة، حيث يتدخل العديد من الوسطاء (الشناقة) بين المنتج والمستهلك دون إضافة قيمة حقيقية للمنتج، بل يساهمون في تضخيم الأسعار بشكل مصطنع. يضاف إلى ذلك، الغياب شبه التام لأسواق نموذجية منظمة تضمن المنافسة الشريفة والأسعار العادلة، مما يترك المجال مفتوحًا أمام الممارسات الاحتكارية والمضاربة.
هذه الاختلالات البنيوية بحسب التقرير تؤدي إلى تضخم التكاليف في كل مرحلة من مراحل السلسلة، بدءًا من تكاليف الأعلاف والنقل وصولًا إلى هامش الربح الذي يضيفه كل وسيط. وهو ما ينعكس على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.

ارتفاع غير مبرر للأسعار

أظهرت نتائج التقرير أن الواقع الميداني أظهر أن أسعار الأضاحي سجلت مستويات قياسية وغير مسبوقة، متجاوزة كل التوقعات والقدرات الشرائية للمواطنين، ورصد أن هذه الأسعار فاقت بكثير القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين، وخاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تعاني أصلاً من تدهور مستمر في ظروفها المعيشية.
واعتبر أن هذا الارتفاع غير المبرر للأسعار لا يمثل مجرد تحدٍ اقتصادي يهدد استقرار الأسر، بل يمتد ليصبح قضية اجتماعية وحقوقية عميقة، حيث يهدد السلم الاجتماعي والاستقرار الأسري، ويحرم العديد من الأسر من ممارسة شعيرة دينية واجتماعية هامة، لها مكانتها الخاصة في الثقافة المغربية وتعتبر جزءًا لا يتجزأ من هويتها الدينية والاجتماعية.
ونبه إلى أن عدم القدرة على شراء الأضحية يولد شعورًا عميقًا بالإحباط والتهميش لدى هذه الفئات، ويزيد من الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، مما يؤثر سلبًا على الثقة في المؤسسات الحكومية وقدرتها على حماية حقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية.

أزمة ثقة بسبب غياب الشفافية وتضارب المعطيات

سجلت اللجنة، من خلال رصدها وتحليلها، وجود فجوة عميقة وكبيرة بين الخطاب الرسمي الصادر عن الجهات الحكومية، والذي غالبًا ما يؤكد على وفرة العرض واستقرار الأسعار في سوق الماشية، وبين الواقع الميداني المعيش الذي يشهده المواطنون، والذي يتميز بندرة نسبية في المعروض وارتفاع مهول وغير مسبوق في الأسعار.
هذا التضارب الصارخ بين التصريحات الرسمية والواقع الملموس، أدى إلى تآكل الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية المكلفة بتدبير هذا القطاع الحيوي.
واعتبرت أن غياب الشفافية في توفير المعلومات الأساسية، وعدم القدرة على تقديم بيانات موثوقة وغير قابلة للجدل، يفتح الباب أمام الشائعات والتكهنات، ويزيد من حالة عدم اليقين، ويجعل المواطن يشعر بأنه مستهدف من قبل المضاربين دون حماية حقيقية من الدولة.
وخلص التقرير إلى أن استعادة هذه الثقة تتطلب التزامًا صارمًا بمبادئ الشفافية، وتوفير معلومات دقيقة ومحايدة، وإشراك المجتمع المدني والخبراء في عملية جمع وتحليل البيانات، ونشرها بانتظام للعموم. كما يجب على الحكومة أن تتبنى استراتيجية تواصل واضحة وشفافة، تعترف بالتحديات القائمة، وتقدم حلولًا واقعية، وتتجنب المبالغة في التطمينات التي لا تتوافق مع الواقع المعيشي للمواطنين.
ولفت إلى أن بناء الثقة يتطلب أيضًا تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة في حال وجود تقصير أو تضليل، لضمان أن تكون المؤسسات الحكومية في خدمة المواطن وتطلعاته.

فشل سياسات الدعم

أظهرت نتائج الرصد والتحليل الدقيق، أن الدعم المالي الكبير الذي خصصته الحكومة للمستوردين، والذي بلغ 500 درهم عن كل رأس مستورد، بالإضافة إلى الإعفاءات الضريبية والجمركية، لم ينعكس بشكل إيجابي وملموس على الأسعار النهائية في الأسواق المحلية. واعتبرت أن عدم وصول أثر هذا الدعم إلى المستهلك النهائي، وتحول الأسعار إلى الارتفاع بدل الانخفاض، يطرح علامات استفهام كبرى حول حكامة تدبير هذا الدعم، ومدى وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين.
كما يثير هذا الوضع مخاوف مشروعة من تحول هذا الدعم إلى ريع اقتصادي يستفيد منه كبار المستوردين والفاعلين في السوق على حساب المال العام والمستهلك المغربي، مما يعمق الفجوة الاجتماعية ويزيد من الإحساس بالظلم.
وأبرزت أن فشل هذه السياسات في تحقيق أهدافها الاجتماعية يتطلب مراجعة شاملة لآليات الدعم، وإعادة توجيهها نحو الفئات الأكثر استحقاقًا، مع ضمان الشفافية والمساءلة في صرف هذه الأموال. يجب أن يكون الهدف الأساسي من أي دعم حكومي هو تحقيق المصلحة العامة، وليس خدمة مصالح فئات معينة، ويجب أن يصب في مصلحة المواطن بشكل مباشر، وأن يساهم في تحسين ظروفه المعيشية.

تغول الوسطاء والمضاربين

يمثل تغول الوسطاء (الشناقة) والمضاربين أحد أبرز الاختلالات الهيكلية التي تعصف بسوق الماشية وأضاحي العيد في المغرب، حيث اعتبر التقرير ذاته، أن هؤلاء لا يضيفون قيمة حقيقية لسلسلة الإنتاج، بل يستغلون ببراعة غياب التنظيم الفعال وضعف آليات المراقبة الحكومية لاحتكار السوق، والتحكم في مسالك التوزيع، وخلق ندرة مصطنعة في بعض الأحيان.
وشدد على أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب تفعيلًا صارمًا للقوانين، وتعزيزًا لآليات المراقبة، وتدخلًا حاسمًا من قبل السلطات لضمان سوق عادلة وشفافة تحمي جميع الأطراف، وذلك من خلال إنشاء هيئات رقابية مستقلة تتمتع بالصلاحيات الكافية للتحقيق في الممارسات الاحتكارية، وتطبيق العقوبات الرادعة على المخالفين. كما يجب تعزيز الوعي لدى المستهلكين بحقوقهم، وتوفير قنوات فعالة لتقديم الشكاوى والبلاغات.

غياب الحكامة الرشيدة والمساءلة

إن القرارات المتخذة في هذا القطاع الحيوي غالبًا ما تفتقر إلى الشفافية، ولا يتم إشراك جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الفلاحون الصغار وجمعيات حماية المستهلك، في صياغة هذه السياسات. هذا الغياب للحكامة الرشيدة يفتح الباب أمام الممارسات غير السليمة، ويسمح بتفشي الفساد والريع، ويجعل من الصعب تحديد المسؤوليات في حال حدوث اختلالات أو أزمات.
وخلص التقرير إلى أن المساءلة الفعالة تتطلب وجود آليات واضحة لتقييم أداء المؤسسات الحكومية والفاعلين في السوق، وتطبيق العقوبات اللازمة في حال الإخلال بالواجبات أو استغلال النفوذ.
وأوصى التقرير ذاته، بإطلاق تقييم وطني شامل ومستقل لسياسات دعم قطاع تربية الماشية يمر عبر إجراء مراجعة دقيقة، شاملة، ومحايدة لجميع برامج الدعم العمومي الموجهة لقطاع تربية الماشية خلال السنوات الأخيرة.
ووجب أن يشمل هذا التقييم الدعم المالي المباشر الموجه للمستوردين (مثل منحة 500 درهم عن كل رأس)، والإعفاءات الضريبية والجمركية، وكذلك الدعم الموجه للمربين الصغار والمتوسطين.
كما حث على تعزيز الشفافية المطلقة في نشر المعطيات والإحصائيات المتعلقة بقطاع تربية الماشية وسوق الأضاحي من قبل الجهات الوصية على القطاع.
وأصى التقرير بتمكين المؤسسات الرقابية من افتحاص برامج الدعم العمومي، وتطوير آليات مراقبة الأسواق ومحاربة الاحتكار والمضاربة، وتفعيل دور لجان المراقبة المحلية والوطنية بشكل مستمر وفعال.
كما حثت على الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، مثل أنظمة تتبع المنتجات الرقمية، وقواعد البيانات المشتركة، ودعم صغار المربين والكسابة وتحسين شروط ولوجهم إلى السوق، وإصلاح شامل لمسالك التسويق والحد من تعدد الوسطاء.
وشدد على تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاسبة جميع المسؤولين، سواء كانوا حكوميين أو إداريين أو فاعلين اقتصاديين، عن أي تقصير في تدبير الأزمة، أو إخلال بالواجبات المنوطة بهم، أو استغلال للمناصب لتحقيق مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.