سبتة ومليلية المحتلتين.. إسبانيا تجر الاتحاد الأوروبي إلى صراع تاريخي مع المغرب

19 سبتمبر 2026
سبتة ومليلية المحتلتين.. إسبانيا تجر الاتحاد الأوروبي إلى صراع تاريخي مع المغرب

تحاول إسبانيا، في تطور لافت، نقل ملف سبتة ومليلية المحتلتين من كونه قضية تاريخية وسياسية عالقة بينها وبين المغرب إلى قضية أوروبية، مستفيدة من عضويتها داخل الاتحاد الأوروبي ومن حساسية ملف الهجرة، خصوصاً بعد أحداث الاقتحام الجماعي لسبتة خلال يوليوز الماضي.

وبهذا التحول، لم تعد مدريد تكتفي بالدفاع عن موقفها بشأن سبتة ومليلية المحتلتين، بل أصبحت تسعى إلى تقديمهما باعتبارهما جزءاً من الحدود الأوروبية، وهو ما يمنح إسبانيا غطاءً سياسياً أوروبياً في مواجهة المغرب، ويدفع النزاع نحو مرحلة أكثر تعقيداً.

غير أن إدخال الاتحاد الأوروبي على خط الأزمة لا يغير حقيقة أساسية بالنسبة للمغرب، وهي أن سبتة ومليلية المحتلتين تقعان جغرافياً في شمال إفريقيا، على الأراضي المغربية، وأن وجود إسبانيا فيهما يرتبط بتاريخ طويل من التوسع والاستعمار الإسباني في المنطقة.

فبالنسبة إلى المغاربة، لا يتعلق الأمر بمدينتين أوروبيتين، وإنما بمدينتين مغربيتين ظلتا خارج السيادة الوطنية بعد مرحلة الاستقلال، في وقت تمكن فيه المغرب من استرجاع عدد من المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة الإسبانية.

ومن هنا، فإن محاولة تحويل سبتة ومليلية المحتلتين إلى «حدود أوروبية» لا تنهي النقاش، بل تفتح فصلاً جديداً في قضية تاريخية لم تُحسم من وجهة النظر المغربية.

والمفارقة أن الاتحاد الأوروبي، الذي يرفع في عدد من المناسبات شعار احترام سيادة الدول وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، يجد نفسه اليوم أمام قضية مرتبطة بتاريخ الاستعمار الأوروبي في شمال إفريقيا. ولذلك فإن دعم الموقف الإسباني لا يعني بالنسبة للمغرب أن القضية التاريخية قد حُسمت، بقدر ما يعكس طبيعة التحالفات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي.

كما أن تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية يثبت أن ملف الوجود الإسباني في الأراضي المغربية لم يكن دائماً ملفاً هادئاً. فقد سبق أن خاض المغرب وإسبانيا مواجهات عسكرية خلال مرحلة تصفية الاستعمار، وكان المغاربة في مقدمة من واجهوا الوجود الإسباني في إفني والصحراء خلال خمسينيات القرن الماضي.

واليوم، يعود الملف من بوابة مختلفة. فبدل الرصاص، تحضر البيانات الأوروبية والضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، فيما تحاول مدريد تثبيت واقع جديد يجعل سبتة ومليلية المحتلتين جزءاً من منظومة الحدود الأوروبية، بينما يتمسك المغرب بموقفه التاريخي الرافض لاستمرار الوجود الإسباني في المدينتين.

وفي خضم هذا التوتر، يبدو أن المغرب لن يكون أمام خيار الاستسلام للأمر الواقع، خصوصاً أن سبتة ومليلية المحتلتين تحظيان بمكانة خاصة في الذاكرة الوطنية المغربية. كما أن الرباط تمتلك أوراقاً متعددة في علاقاتها مع أوروبا، سواء في ملفات الهجرة أو الأمن أو التجارة أو التعاون الاقتصادي.

أما أخطر ما يمكن أن يحدث فهو أن يتحول التصعيد السياسي والدبلوماسي إلى مواجهة مفتوحة. فالعلاقات المغربية الإسبانية، رغم قوتها وتشابك مصالحها، تحمل في خلفيتها ملفات تاريخية حساسة، وأي دفع بها نحو المواجهة سيكون مكلفاً للجانبين.

وفي نهاية المطاف، فإن استمرار إسبانيا في جر الاتحاد الأوروبي إلى ملف سبتة ومليلية المحتلتين قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر تحويل قضية كانت في الأصل خلافاً مغربياً إسبانياً إلى قضية أوسع تمس علاقة المغرب بأوروبا.

وإذا استمر التصعيد ولم تجد لغة الدبلوماسية طريقها إلى الحل، فإن انتقال الخلاف إلى مستويات أكثر خطورة سيظل احتمالاً قائماً. وأي حرب مغربية إسبانية، إذا وقعت، لن تكون مواجهة عادية، بل ستكون مواجهة قوية ومكلفة، وستكون خسائرها وتداعياتها أقوى بكثير من أن يتحملها طرف واحد.

ولهذا، فإن الحكمة تقتضي عدم دفع المنطقة إلى ذلك السيناريو. فـسبتة ومليلية المحتلتين، في الوعي المغربي، مدينتان مغربيتان بحكم الجغرافيا والتاريخ، وسيظل ملفهما مفتوحاً مهما حاولت مدريد أو المؤسسات الأوروبية تحويله إلى قضية محسومة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت أوروبا ستعلن دعمها لإسبانيا، وإنما إلى أين يمكن أن يقود استمرار التصعيد حول سبتة ومليلية المحتلتين، وهل تستطيع الدبلوماسية أن تمنع تحول هذا الملف التاريخي إلى أخطر أزمة بين المغرب وإسبانيا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.