“بغيت الكساب يربح”.. وزير الفلاحة يفتح الباب أمام فوضى أسعار الأضاحي‎

23 مايو 2026
“بغيت الكساب يربح”.. وزير الفلاحة يفتح الباب أمام فوضى أسعار الأضاحي‎

لم يكن تصريح وزير الفلاحة حول رغبته في أن “يربح الكساب” مجرد زلة لسان عابرة، ولا عبارة يمكن المرور عليها بخفة في ظرفية اجتماعية خانقة يعيشها المغاربة تحت ضغط الغلاء وتآكل القدرة الشرائية. فالكلمات الصادرة عن مسؤول حكومي في هذا المستوى تعتبر رسالة سياسية واقتصادية تُقرأ بعناية من طرف الأسواق والمهنيين والمواطنين على حد سواء.

المشكل ليس في أن يربح الفلاح أو الكساب، فالأصل في أي نشاط اقتصادي هو تحقيق الربح وضمان الاستمرارية. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يصدر هذا النوع من التصريحات في سياق يتسم بارتفاع غير مسبوق في أسعار اللحوم، وتنامي شعور عام بأن السوق تُركت للمضاربة والاحتكار وغياب المراقبة. هنا يصبح الكلام أشبه بإشارة خاطئة تُفهم على أنها ضوء أخضر لمزيد من الزيادات، بدل أن تكون رسالة توازن بين مصلحة المنتج وحقوق المستهلك.

المغاربة لم يكونوا ينتظرون من وزير الفلاحة أن يتحول إلى ناطق باسم “الكسابة”، بل كانوا ينتظرون خطابا يطمئن الأسر التي أصبحت عاجزة عن اقتناء اللحم إلا في مناسبات نادرة. كانوا ينتظرون إجراءات واضحة لضبط السوق، ومحاربة الوسطاء والمضاربين، ومراقبة مسالك التوزيع، وربط الدعم العمومي بحماية القدرة الشرائية، لا إطلاق عبارات فضفاضة يمكن أن تُستثمر في الاتجاه الخطأ.

والواقع أن ما وقع خلال الأشهر الأخيرة كشف حجم الاختلال داخل منظومة تدبير قطاع اللحوم والماشية. فالدولة قدمت دعما للاستيراد، وخففت الرسوم، وضخت أموالا عمومية بهدف خفض الأسعار، لكن المواطن لم يلمس أثرا حقيقيا لذلك في الأسواق. بل إن أسعار اللحوم واصلت التحليق، وكأن الدعم تبخر بين حلقات المضاربة والاحتكار دون أثر اجتماعي واضح
.
الأخطر من ذلك أن بعض الكسابة والتجار دخلوا فعلا بمنطق تحقيق “أرباح مضاعفة”، خصوصا بعد إلغاء شعيرة عيد الأضحى السنة الماضية، حيث ساد اعتقاد لدى فئات واسعة أن الموسم الموالي سيكون فرصة لتعويض الخسائر عبر رفع الأسعار إلى مستويات قياسية.

هنا تحديدا يظهر الفرق بين رجل دولة يمتلك حسا سياسيا وتواصليا، وبين مسؤول تقني يطلق تصريحات دون تقدير لتداعياتها الاجتماعية. كثيرون استحضروا في هذا السياق الراحل محمد الوفا، الذي كان معروفا بجرأته في مواجهة لوبيات الريع وبتصريحاته المباشرة المنحازة للمواطن، حتى وإن اختلف الناس معه. كان يدرك أن المسؤول الحكومي لا يتحدث فقط بلغة الأرقام، بل أيضا بلغة الإحساس العام والثقة والطمأنة.

أما اليوم، فيبدو أن الحكومة فقدت جزءا كبيرا من قدرتها على التواصل المقنع مع المغاربة. فبدل خطاب يشرح أسباب الأزمة ويقدم حلولا واقعية، يسمع المواطن تصريحات تزيد من شعوره بأن السوق تُدار بمنطق “خلي الأمور تمشي”، وأن المستهلك آخر من يتم التفكير فيه.

المطلوب اليوم ليس فقط تدارك تصريح هنا أو هناك، بل مراجعة كاملة لطريقة تدبير ملف الأسعار والمواد الأساسية. لأن استمرار هذا الارتباك يهدد ما تبقى من ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على حماية التوازن الاجتماعي، خصوصا في ظل موجة غلاء مست كل تفاصيل الحياة اليومية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.