هل حان الوقت لاخراج الانتخابات من وصاية وزارة الداخلية واعتماد البطاقة في التصويت

منذ 6 ساعات
هل حان الوقت لاخراج الانتخابات من وصاية وزارة الداخلية واعتماد البطاقة في التصويت
فاطمة افيد

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود إلى الواجهة نقاش قديم ومتجدد حول سبل تعزيز الثقة في العملية الانتخابية بالمغرب. ومن بين المقترحات التي تلقى تأييداً متزايداً لدى فئات واسعة من المواطنين والمواطنات والفاعلين السياسيين، إسناد الإشراف الكامل على الانتخابات إلى هيئة وطنية مستقلة، واعتماد البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كوثيقة وحيدة للتصويت.
إن جوهر الديمقراطية لا يكمن فقط في تنظيم الانتخابات بشكل دوري، بل في اقتناع المواطنين بأن أصواتهم تُحتسب كما أُدلي بها، وأن نتائج صناديق الاقتراع تعكس الإرادة الحقيقية للناخبين. فالثقة هي رأس المال الأساسي لأي نظام انتخابي، وعندما تتراجع هذه الثقة تتراجع معها نسب المشاركة ويزداد العزوف السياسي.
ان إبعاد وزارة الداخلية عن الإشراف المباشر على الانتخابات أن الإدارة، مهما كانت درجة حيادها، تظل طرفاً تنفيذياً تابعاً للحكومة. لذلك فإن إسناد العملية الانتخابية إلى هيئة مستقلة تتمتع بصلاحيات قانونية وإدارية كاملة قد يساهم في تعزيز الثقة والاطمئنان لدى جميع الأطراف السياسية، سواء كانت في الأغلبية أو المعارضة.
كما أن التجارب الدولية أظهرت أن العديد من الديمقراطيات تعتمد هيئات مستقلة للإشراف على الانتخابات، تتكلف بإعداد اللوائح الانتخابية وتنظيم الاقتراع والإشراف على الفرز وإعلان النتائج الأولية، بما يضمن قدراً أكبر من الشفافية والاستقلالية.
أما فيما يتعلق باعتماد البطاقة الوطنية في التصويت، فإن هذا الإجراء يبدو منطقياً في عصر الرقمنة وتحديث الإدارة. فالبطاقة الوطنية أصبحت الوسيلة الأساسية لإثبات الهوية في مختلف المعاملات الإدارية والمالية، ومن الطبيعي أن تكون كذلك الأداة الرئيسية للمشاركة السياسية.
إن اعتماد البطاقة الوطنية يمكن أن يحد من العديد من الإشكالات المرتبطة بالتسجيل والبحث عن مكاتب التصويت وتحيين اللوائح الانتخابية، كما قد يساهم في توسيع قاعدة المشاركة، خاصة لدى الشباب الذين يمتلكون بطاقات وطنية لكنهم لا يهتمون بالإجراءات الإدارية المرتبطة بالتسجيل الانتخابي.
أن الإقبال على التصويت قد يرتفع بشكل ملحوظ إذا أصبح المواطن قادراً على التوجه مباشرة إلى مركز الاقتراع والإدلاء بصوته اعتماداً على بطاقته الوطنية فقط، دون تعقيدات إدارية إضافية.
ومن جهة أخرى، فإن هذا الإصلاح قد يساهم في محاربة بعض الممارسات التي تسيء إلى صورة الانتخابات، مثل استغلال الهشاشة الاجتماعية وشراء الأصوات. فكلما ازدادت ثقة المواطن في نزاهة العملية الانتخابية، أصبح أكثر اقتناعاً بأن صوته قادر على إحداث التغيير دون الحاجة إلى وساطات أو إغراءات.
إن الأزمة الحقيقية التي تواجه الحياة السياسية اليوم ليست فقط أزمة برامج أو أحزاب، بل هي أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. ولذلك فإن أي إصلاح انتخابي يجب أن ينطلق من هدف أساسي يتمثل في إعادة الاعتبار لصوت الناخب وتعزيز شعوره بأن إرادته هي التي تحدد النتائج.
لا أحد يدعي أن إنشاء هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات أو اعتماد البطاقة الوطنية سيحل جميع المشاكل السياسية والاجتماعية دفعة واحدة، لكنهما قد يشكلان خطوة مهمة نحو بناء انتخابات أكثر شفافية ومصداقية، وإقناع المواطنين بأن أصواتهم هي التي تصنع الخريطة السياسية، لا المال ولا النفوذ ولا الحسابات الضيقة.
إن الديمقراطية القوية لا تخشى الرقابة المستقلة، والانتخابات النزيهة لا تخشى المزيد من الضمانات. وكل إصلاح يعزز ثقة المواطن في صوته هو استثمار حقيقي في استقرار الوطن ومستقبله الديمقراطي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.