نقاش متجدد حول التعليم وهجرة الكفاءات ولغات التدريس بالمغرب

منذ 3 ساعات
نقاش متجدد حول التعليم وهجرة الكفاءات ولغات التدريس بالمغرب
كلاش بريس / الرباط

​لم يكن كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمة الاستثمار بإفريقيا وهو يشيد بالمنظومة التعليمية المغربية مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل هو في العمق اعتراف صريح بـ”النجاعة” السياسية واللغوية التي تضمن لباريس استمرار هيمنتها على النخب العلمية والتقنية المغربية

هذه الإشادة الفرنسية لا يمكن فصلها، قراءً وتحليلاً، عن واقع التبعية اللغوية والثقافية التي يتم تكريسها بامتياز داخل المدرسة العمومية المغربية، والتي تحولت مع توالي الإصلاحات العرجاء إلى مشتل خلفي لتمويل سوق الشغل الفرنسية بكفاءات جاهزة وعالية التكوين.

​الرئيس الفرنسي يجني اليوم، ومعه قطاعه الخاص، ثمار عقود من الهيمنة اللغوية التي فرضت فرنسة العلوم والتقنيات، مما يسهل عملية “القطف الممنهج” لزبدة المتفوقين المغاربة. والمفارقة الصادمة هنا تتجلى في الكلفة المالية؛ إذ تؤكد المعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط أن تكوين تلميذ مغربي واحد حتى نيل البكالوريا يكلف ميزانية الدولة والمال العام حوالي 100 ألف درهم، دون احتساب كلفة البنيات التحتية، في حين تدفع الأسر في التعليم الخصوصي أضعاف هذا المبلغ

هذا الاستثمار الوطني الضخم ينتهي به المطاف كهدية مجانية لفرنسا لإنقاذ سوق شغلها الذي يعاني من الشيخوخة والخصاص الديمغرافي، عوض أن ترد هذه الكفاءات الدين لوطنها أولاً.

​الأخطر في هذا المسار هو البُعد المالي والسياسي الذي يرافق هذا الاستنزاف؛ ففي الوقت الذي ينتظر فيه المغاربة تنزيل مقتضيات القانون الإطار والهندسة اللغوية الوطنية التي تحمي السيادة الثقافية للمملكة، تتلقى الحكومة قروضاً وتمويلات فرنسية موجهة خصيصاً لدعم حضور لغتها في المدرسة المغربية.

وهو ما يطرح تساؤلات حارقة حول طبيعة “المقايضات” التي تتم في المحافل الدولية، وهل أصبحت الإشادات الدبلوماسية وصكوك الرضا الاستثماري التي يوزعها ماكرون بمثابة “ثمن معلوم” للإصرار على إقبار المراسيم الوطنية المنظمة لغات التدريس؟

​إنها مفارقة غريبة تسائل السيادة التعليمية للبلاد: المغرب ينفق من دمه المالي وبنياته التحتية ليتلقى في النهاية “الإشادة والإشهار” من الإليزيه، بينما تفوز فرنسا بالمهندسين والأطباء والتقنيين لتدوير عجلة اقتصادها الهرم بدون أدنى كلفة تكوين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.