مساء يوم الأحد، تحولت النشرة المسائية للقناة الأولى إلى ما يشبه معرضا سياسيا مرتبا بعناية، تُوزع فيه دقائق البث وفق منطق انتقائي واضح، لا علاقة له بحجم الأحداث بقدر ما يرتبط بطبيعة الأصوات المسموح لها بالمرور داخل الشاشة.
حضرت شبيبة الأصالة والمعاصرة، والحركة الشعبية، والعدالة والتنمية، وحزب الوسط الاجتماعي، وجبهة القوى الديمقراطية، وحزب الشورى والاستقلال، كما وجد نشاط حزب الحرية والعدالة الاجتماعية بسطات طريقه إلى النشرة، بل حتى المؤتمر الإقليمي لـ الاتحاد المغربي للشغل بخنيفرة حظي بالتغطية. الجميع نال حقه من الصورة والتعليق والزمن التلفزي.
وحدها المسيرات الجهوية الاحتجاجية التي نظمتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل جرى دفنها في صمت كامل، وكأن آلاف المحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع مجرد تفصيل مزعج يجب حذفه من الرواية الرسمية لبلد “هادئ” لا يحتج فيه أحد.
هنا يتجاوز الأمر حدود الاختيارات التحريرية العادية، ليدخل إلى جوهر وظيفة الإعلام الرسمي داخل منظومة السلطة.
فالتلفزة العمومية لا تنقل الواقع كما هو، بل كما ينبغي أن يُرى.
تسمح بالسياسة، والنقابة حين تكون مؤطرة، مطواعة، قابلة للتدجين داخل القاعات والاجتماعات والبلاغات. لكنها ترتبك أمام الشارع، أمام الجماهير حين تتحول من متفرجين إلى فاعلين، ومن أرقام انتخابية صامتة إلى قوة اجتماعية غاضبة.
لهذا لا مشكلة في تغطية مؤتمرات وأنشطة ولقاءات، حتى وإن كانت محدودة التأثير، لأن ذلك يدخل ضمن “الفرجة السياسية” الآمنة التي لا تهدد شيئا.
أما الاحتجاج الاجتماعي، فله وقع آخر.
صورة الآلاف في الشوارع،على امتداد جهات المغرب، أخطر على السردية الرسمية من عشرات الخطب داخل الفنادق والقاعات المغلقة. لأنها تكشف أن تحت هذا السطح الهادئ بلدا يئن من الغلاء والهشاشة والاحتقان وفقدان الثقة.
إن تغييب احتجاجات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لم يكن حيادا، بل انحيازا كاملا ضد حق المجتمع في رؤية نفسه. وكان رسالة واضحة مفادها أن
الإعلام العمومي لا يخشى الضجيج السياسي المصطنع، بقدر ما يخشى صوت الشارع حين يصبح حقيقة جماعية يصعب التحكم فيها.
لكن الواقع لا يختفي بإطفاء الكاميرا. والغضب لا يموت لأن هيئة التحرير قررت تجاهله تنفيذا لتعليمات من خارج التلفزة.
فما يجري في الشوارع يظل أصدق من النشرات المصقولة، وأقوى من كل محاولات صناعة بلد افتراضي بلا صراع اجتماعي.
إنها تلفزة “قولوا العام زين” تفتح شاشتها لكل شيء إلا لصوت الناس حين يطالبون بحقهم في العدالة والكرامة.وتتوهم أن حذف الاحتجاج
من الصورة قد يحذف أسبابه من الواقع.

















