لطالما شكّل وصول “أولاد الشعب” إلى المناصب الحكومية السامية في المغرب سابقة نادرة الخروج عن القاعدة، في ظل عقود طويلة من هيمنة نخب ولدت وفي أفواهها ملاعق من ذهب وتنحدر من عائلات ميسورة وأوساط ثرية. غير أن الخريطة السوسيولوجية والسياسية للبلاد شهدت تحولاً لافتاً منذ تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً مع إرهاصات تجربة التناوب التوافقي، حيث فُتحت الأبواب تدريجياً أمام طاقات عصامية قادمة من المداشر والقرى والأحياء الهامشية، لتجد لنفسها موطئ قدم داخل الحكومات المتعاقبة بعد أن بدأت مسارها من نقطة الصفر.
وفي الوقت الذي ظل فيه “المصعد الاجتماعي” معطلاً أو متجهاً نحو الأسفل للأغلبية، نجح هؤلاء المسؤولون في اختراق الهرم الطبقي، لينقسموا بعد “هطول أمطار النعمة” إلى تيارين؛ تيار غيّر نمط حياته رأساً على عقب متبنياً حياة مخملية جديدة، وتيار آخر قاوم بريق السلطة وحافظ على جوهر عيشه وبساطته وظل مرتبطاً بأصوله الشعبية.
عبد الرحمان أمالو
ينحدر عبد الرحمان أمالو من أسرة متواضعة بمدينة مراكش، وقد ساهم مساره التعليمي في صعوده الاجتماعي والمهني، حيث برز كأحد الوجوه الفكرية المرتبطة بحزب الاتحاد الدستوري، مع اهتمام مبكر بقضايا الجهوية.
ورغم حضوره الفكري، فإن تجربته الانتخابية لم تكن موفقة، إذ كان يخوض الاستحقاقات في دوائر مختلفة، خاصة بالدار البيضاء الكبرى، غير أن نتائجها كانت غالباً غير لصالحه، وهو ما عُزي إلى اختيارات سياسية غير موفقة أو إلى ضعف في تدبير الحملات الانتخابية.
اشتهر أمالو بكونه رجل تنظير أكثر منه رجل مناورات سياسية، في سياق اتسم آنذاك بسيطرة الحسابات والتحالفات داخل المشهد الحزبي المغربي. وظل طموحه يجمع بين العمل الأكاديمي وتقلد مناصب عليا، سواء كوزير أو سفير. كما طُرح اسمه في أكثر من مناسبة لتولي حقائب حكومية خلال فترة المعطي بوعبيد، لكنه لم يُحالفه الحظ في ذلك، حيث كان يتم اختيار أسماء أخرى رغم محدودية تكوينها مقارنة به.
لاحقاً، سيُفاجأ أمالو بتعيينه وزيراً للعدل في حكومة عبد اللطيف الفيلالي سنة 1995، في مرحلة ضمت أيضاً أسماء بارزة مثل عبد العزيز مزيان بلفقيه وإدريس جطو ومحمد زيان، الذي تولى حقيبة حقوق الإنسان.
وخلال تلك الفترة، برزت حملة واسعة لمحاربة التهريب، جاءت عقب تقارير دولية نبهت إلى تداعياته على الاقتصاد الوطني. وقد ارتبطت هذه الحملة بوزارة الداخلية في عهد إدريس البصري، وشارك فيها وزير العدل أمالو بشكل لافت، قبل أن تتطور إلى مواجهة شبكات المخدرات.
غير أن هذه الحملة لم تخلُ من انتقادات، إذ وُجهت إليها اتهامات بالانتقائية وحماية بعض ذوي النفوذ. وفي خضم هذا الجدل، برزت مواقف محمد زيان، الذي وجه انتقادات حادة للحكومة، ما ساهم في توتر العلاقة داخل الحزب ودفعه إلى تقديم استقالته، في وقت كان أمالو قد خلفه في منصب مرتبط بحقوق الإنسان، وهو ما شكل بداية القطيعة السياسية بين زيان وحزب الاتحاد الدستوري.
توفي عبد الرحمان أمالو الجمعة 19 نونبر 2021 عبد الرحمان أمالو، بعد صراع معالمرض،



















