تتجدد الأسئلة البرلمانية داخل قبة المؤسسة التشريعية بالمغرب مع كل مناسبة أو حدث عابر، غير أن طبيعة بعض هذه الأسئلة ومضامينها باتت تثير الكثير من الجدل وسط المتتبعين للشأن السياسي والعموم. ويسود انطباع متزايد بأن عدداً من المبادرات الرقابية المتمثلة في الأسئلة الكتابية والشفهية أصبحت تميل نحو السطحية واجترار مواضيع ثانوية، في وقت تنتظر فيه الساحة الوطنية نقاشات حاسمة حول ملفات اقتصادية واجتماعية حارقة.
وكان آخر تجليات هذا النقاش، المقترح الذي تقدم به الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب عبر مستشاره البرلماني خالد السطي، والذي وجه سؤالاً كتابياً إلى رئيس الحكومة يطالب فيه بمراجعة نظام العطل المرتبط بعيدي الفطر والأضحى، وإقرار عطل استثنائية لفائدة موظفي القطاعين العام والخاص لتسهيل عملية التنقل وصلة الرحم.
ورغم أن الموضوع يحمل أبعاداً اجتماعية تتعلق بظروف تنقل المواطنين والضغط على وسائل النقل، إلا أن طرحه في صيغة سؤال برلماني رسمي أثار انتقادات واسعة، حيث يرى منتقدون أن مثل هذه القضايا تكاد تكون محسومة تنظيمياً أو يتم التعامل معها بمرونة حكومية تفرضها ظرفية كل عيد، ولا تستدعي استنفار الآلية الرقابية للبرلمان، في وقت تفترض فيه الأدوار الدستورية للنائب التركيز على السياسات العمومية الكبرى والمراقبة الصارمة للإنفاق العام والالتزامات الحكومية الاستراتيجية.
إن الإشكال الحقيقي الذي يطرحه الفاعلون لا يقف عند سطحية بعض المواضيع فحسب، بل يمتد إلى ظاهرة تكرار واجترار الأسئلة، فغالباً ما يُلاحظ قيام نواب من فرق مختلفة، أو حتى من نفس الفريق، بإعادة صياغة وطرح أسئلة حول مواضيع سبق أن طرحها زملائهم وتلقت إجابات واضحة من القطاعات الحكومية المعنية.
هذا التكرار يثير علامات استفهام كبرى حول الخلفيات المتحكمة في هذه الدينامية، والتي تتأرجح بين رغبة بعض البرلمانيين في تضخيم رصيدهم الرقمي من الأسئلة لتقديمها كدليل على النشاط أمام القواعد الانتخابية وداخل تقارير الفرق الحزبية بغض النظر عن القيمة المضافة، وبين ضعف التنسيق والتدقيق الداخلي داخل الفرق البرلمانية نفسها، مما يؤدي إلى تشتيت الجهد الرقابي وإغراق المكاتب الحكومية بأسئلة مكررة.
وفي الوقت الذي يشتكي فيه البرلمانيون أنفسهم من تأخر الحكومة في الإجابة على الأسئلة الجوهرية المرتبطة بقطاعات الصحة والتعليم والتشغيل، يرى مراقبون أن إغراق الإدارة بأسئلة المناسبات أو الأسئلة المعاد طرحها يساهم في إضعاف نجاعة الآلية الرقابية برمتها ويمنح تبريرات موضوعية لبطء التفاعل الحكومي.
لذلك، فإن الارتقاء بالعمل البرلماني يستوجب الانتقال من منطق الكم إلى منطق الكيف، فالأزمة الحالية ليست في قلة الأسئلة بل في مدى قدرتها على ملامسة جوهر الاختلالات ومساءلة السياسات العمومية بذكاء واستشراف، لأن المواطن المغربي يظل بحاجة إلى تتبع نقاشات تعكس انشغالاته الحقيقية في العيش الكريم وتكافؤ الفرص، بدلاً من الانشغال بأسئلة يدرك واضعوها قبل غيرهم أن الإجابة عنها لن تغير من الواقع شيئاً، سوى إضافة رقم جديد إلى حصيلة برلمانية جافة



















