عرشان في مشاورات الحكومة.. مصالحة أم إعادة فتح جراح الماضي؟

منذ ساعتين
عرشان في مشاورات الحكومة.. مصالحة أم إعادة فتح جراح الماضي؟

أثار ظهور محمود عرشان ضمن المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة، إلى جانب رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري، نقاشاً واسعاً حول دلالات الصورة وما تحمله من رسائل سياسية ورمزية، خصوصاً لدى من ما تزال لديهم حساسية تجاه مرحلة الانتهاكات التي عرفها المغرب خلال سنوات سابقة.

وبقدر ما يمكن تفهم حساسية الصورة بالنسبة إلى ضحايا تلك المرحلة وذويهم، فإن اختزال حضور عرشان اليوم في ماضيه، وإعادة تقديم المشهد باعتباره عودة إلى زمن الانتهاكات، يطرح بدوره سؤالاً آخر: هل ما زال المغرب مطالباً بالبقاء أسيراً لمرحلة اختار، منذ سنوات، أن يعالج إرثها من خلال مسار العدالة الانتقالية والمصالحة؟

فالمغرب لم يختر تجاهل ذلك الماضي، بل أطلق هيئة الإنصاف والمصالحة، وفتح نقاشاً وطنياً حول الانتهاكات السابقة، واعترف بما حدث للضحايا، واستمع إلى شهاداتهم، وقدم توصيات لمعالجة آثار تلك المرحلة. وبذلك، فإن المصالحة لم تكن مجرد شعار عابر، وإنما كانت خياراً وطنياً هدفه الانتقال من مرحلة الصراع مع الماضي إلى بناء المستقبل.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ظهور عرشان في المشاورات الحكومية باعتباره، بالنسبة إلى البعض، صورة ثقيلة الدلالة، لكنها قد تحمل أيضاً رسالة مختلفة تماماً: أن المغرب يريد أن يقول إن أبناء مختلف المراحل السياسية أصبحوا، بعد عقود من الزمن، جزءاً من مغرب جديد اختار المصالحة بدل استمرار الخصومة.

بل إن حضور عرشان في هذا السياق يمكن أن يُفهم، سياسياً، على أنه رغبة في إعلان نوع من المصالحة الفعلية مع المغاربة، وليس بالضرورة محاولة لإعادة الاعتبار إلى مرحلة سابقة أو تبرير ما ارتبط بها من ممارسات.

أما اعتبار كل ظهور لشخصية ارتبط اسمها بمرحلة تاريخية معينة بمثابة استفزاز للضحايا، فقد يجعل المصالحة نفسها بلا نهاية. فالمصالحة، في جوهرها، ليست فقط الاعتراف بالماضي، وإنما أيضاً القدرة على تجاوزه دون إنكار، وعلى الانتقال من الذاكرة المؤلمة إلى التعايش داخل دولة ومجتمع اختارا فتح صفحة جديدة.

ثم إن هناك جيلاً مغربياً جديداً لم يعش تلك الأحداث أصلاً، ولم يكن طرفاً فيها، ولا يعرف تفاصيلها إلا من خلال ما يقرأه أو يسمعه. ومن غير المنطقي أن يُطلب من هذا الجيل أن يحمل إلى ما لا نهاية صراعات مرحلة لم يعشها، أو أن ينظر إلى الحاضر بعين الماضي.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، محو الذاكرة أو التقليل من معاناة الضحايا، ولا يعني أن المصالحة تساوي النسيان. لكنه يعني أن الذاكرة ينبغي أن تكون وسيلة لفهم الماضي ومنع تكرار الأخطاء، لا أداة لإعادة إنتاج الخصومات نفسها بعد مرور عقود.

لذلك، قد تكون صورة عرشان إلى جانب رئيسة الحكومة المعينة قد التُقطت في لحظة سياسية حساسة، وربما كانت لها دلالات لم ينتبه إليها أصحابها أو لم تُقرأ بالطريقة التي أرادوها، لكن تحويلها إلى عنوان لعودة الماضي يبدو، بالنسبة إلى كثيرين، قراءة تتجاهل التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.

فالمغرب الذي واجه ماضيه عبر هيئة الإنصاف والمصالحة ليس هو مغرب سنوات الرصاص، والمغاربة الذين يعيشون اليوم ليسوا بالضرورة أسرى لذاكرة الأجيال السابقة. وبين حفظ الذاكرة وبناء المستقبل، تبقى المصالحة الحقيقية هي القدرة على الاعتراف بما مضى، ثم المضي قدماً.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.