ليس الصيف في المغرب مجرد فصل من فصول السنة، بل محطة تكشف، كما يفعل الشتاء، حجم الهشاشة الاجتماعية واتساع الفوارق بين المواطنين. فإذا كان الشتاء يفضح معاناة الملايين مع البرد والأمطار والسكن الهش وارتفاع تكاليف التدفئة، فإن الصيف بدوره يكشف وجهاً آخر للمعاناة، حيث يتحول الحق في العطلة والاستجمام إلى امتياز لا يملكه إلا القليل.
فما إن تنتهي السنة الدراسية والجامعية حتى تدخل ملايين الأسر المغربية سباقاً مرهقاً مع الغلاء، بحثاً عن أيام قليلة من الراحة، لتصطدم بواقع يجعل الاستجمام حلماً بعيد المنال.
فارتفاع درجات الحرارة يجعل البحث عن شاطئ أو مدينة ساحلية أو منطقة جبلية حاجة إنسانية قبل أن يكون ترفاً، غير أن هذا الحق البسيط يتحول إلى كابوس بسبب انفلات الأسعار وغياب أي رقابة فعلية.
فأثمان الإقامة التي كانت في متناول الطبقة المتوسطة أصبحت تتجاوز ألف درهم، بل تصل في كثير من الأحيان إلى ألفي درهم لليلة الواحدة، بينما لا يتجاوز الدخل الشهري لآلاف الأسر هذه المبالغ أو يزيد عنها بقليل.
ولا تتوقف المعاناة عند كراء السكن، بل تمتد إلى النقل الذي يتحول إلى رحلة شاقة بأسعار ملتهبة واكتظاظ خانق، وإلى المواد الغذائية والمطاعم والمقاهي التي تدخل بدورها موسم المضاربة. أما المسابح العمومية، فهي شبه غائبة في أغلب المدن، بينما لا يجد أبناء الأحياء الشعبية سوى الشوارع والإسمنت لمواجهة لهيب الصيف. أما العالم القروي، فلا يزال خارج خريطة الاستجمام والترفيه، وكأن ملايين المغاربة الذين يعيشون فيه لا حق لهم في فضاءات تحفظ كرامتهم وتخفف عنهم قسوة الحر.
وفي المقابل، تراجعت أدوار الدولة بشكل مقلق. فمخيمات الطفولة والشباب، التي كانت مدرسة للتربية والتطوع وصناعة الأمل، فقدت الكثير من رسالتها الاجتماعية، في وقت يحتاج فيه الأطفال والشباب إلى فضاءات آمنة وميسرة أكثر من أي وقت مضى. كما أن الحديث الرسمي عن الشباب لا يترجم إلى سياسات عمومية توفر لهم متنفساً حقيقياً خلال العطلة الصيفية.
والمفارقة المؤلمة أن عدداً متزايداً من الأسر المغربية التي تستطيع تحمل نفقات السفر، أصبح يعتبر قضاء العطلة في إسبانيا أو في بلدان الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط خياراً أكثر راحة وأحياناً أقل كلفة من الاصطياف داخل المغرب، لما توفره تلك الوجهات من استقرار في الأسعار، وجودة في الخدمات، واحترام للفضاءات العمومية، وشروط بيئية وسياحية تجعل العطلة مناسبة للراحة، لا لاستنزاف الجيوب والأعصاب.
إن الدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بالدعم المباشر أو بالشعارات، بل بقدرتها على ضمان حق المواطن في السكن اللائق، والتعليم الجيد، والصحة، كما في حقه في الراحة والترفيه والاستجمام. فهذه ليست كماليات، بل حقوق إنسانية تسهم في التوازن النفسي والاجتماعي للمواطن.



















