فتح الله حافظي
بين مكسيكو 1970 ومونديال 2026، مرت أشياء كثيرة وتغيرت أخرى. في مكسيكو، خرج المغاربة فخورين رغم الهزيمة أمام ألمانيا الغربية. كان هدف حمان في مرمى الحارس الأسطوري سيب مايير، وأمام دفاع يقوده القيصر فرانز بكنباور ورفاقه، كافيا ليمنح شعبا بأكمله شعورا بالانتصار. يومها، لم يكن أحد يحلم بحمل كأس العالم، ولا حتى ببلوغ الأدوار المتقدمة. كان مجرد هز شباك واحدة من أعظم مدارس الكرة في العالم إنجازا يستحق الاحتفال.
اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، تغير كل شيء. لم تعد الهزيمة في ربع نهائي كأس العالم تقابل بالتصفيق، بل بالغضب وخيبة الأمل. لم يعد الوجود بين أفضل ثمانية منتخبات في العالم يكفي المغاربة، لأن المنتخب نفسه هو الذي رفع سقف الأحلام، حتى صار التفكير في اللقب يبدو طموحا مشروعا لا وهما. لم تتغير كرة القدم وحدها، بل تغيرت معها نظرتنا إلى أنفسنا وإلى ما أصبحنا نعتقد أنه ممكن.
استيقظ المغاربة صباح هذا اليوم الجمعة غاضبين، وهذا حقهم. ليس لأن المنتخب خسر فقط، بل لأنه لم يكن هو المنتخب الذي عرفه الجميع في المباريات السابقة. فالهزيمة جزء من كرة القدم، أما الإحساس بأن الفريق لم يمنح نفسه فرصة حقيقية للمنافسة فهو ما يترك الغصة.
وهذه الذهنية الجديدة يجب ألا تبقى حبيسة الملاعب. فمن تعود على منافسة الكبار في كرة القدم، لا ينبغي أن يقبل لنفسه موقعا متأخرا في الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو البحث العلمي أو التنمية. فالنجاح الحقيقي لا يغير النتائج فقط، بل يغير العقلية أيضا.
من حق الجميع انتقاد اختيارات محمد وهبي، وطريقة تدبيره للمباراة، كما من حقهم مساءلة اللاعبين عن الارتباك الذي لازمهم منذ الدقائق الأولى. لكن ليس من حق أحد أن يستبدل التحليل بنظريات جاهزة، أو أن يختزل الهزيمة في مؤامرة، وكأن المباراة حسمت خارج الملعب.
صحيح أن السياسة أصبحت جزءا من كرة القدم الحديثة، وأن الدول توظف إمكاناتها المختلفة لخدمة منتخباتها. وصحيح أيضا أن ما بلغه المنتخب المغربي لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة استثمار حقيقي في مشروع كروي (قد نتفق أو نختلف حوله).لكن الاعتراف بذلك لا يعني أن كل هزيمة مؤامرة. ففي كرة القدم، كما في الحياة، قد تخسر لأن خصمك كان أفضل، أو لأنك ببساطة لم تكن في يومك.
وهذا ما حدث أمام فرنسا.
ظهر المنتخب المغربي بعيدا عن مستواه، بينما بدا المنتخب الفرنسي أكثر تماسكا، وأغنى بالحلول، وأكثر قدرة على إدارة تفاصيل المباراة. والفرق بين المنتخبين لا تصنعه تسعون دقيقة فقط، بل سنوات طويلة من التكوين والعمل. فالمغرب نجح في استقطاب مواهب تكونت في مدارس أوروبية، بينما تملك فرنسا منظومة متكاملة لصناعة اللاعبين وتجديد الأجيال دون انقطاع.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية. ليس فقط في اكتشاف المواهب، بل في بناء منظومة وطنية تنتجها، وتطوير البطولة الاحترافية، وتحويل الأندية إلى مدارس حقيقية للتكوين، لأن الدول الكروية الكبرى لا تستورد نجاحها، بل تصنعه.
ورغم مرارة الإقصاء، لا ينبغي تجاهل حجم ما تحقق. فالمنتخب المغربي يوجد اليوم بين أفضل ثمانية منتخبات في العالم، وهو إنجاز يؤكد أن المنتخب المغربي،كمشروع، يسير في الاتجاه الصحيح، حتى وإن كشف في الوقت نفسه عن نقائص ينبغي معالجتها.
لقد خسر المغرب مباراة، لكنه لم يخسر المشروع. وخسر فرصة بلوغ نصف النهائي، لكنه لم يخسر المكانة التي صنعها لنفسه بين كبار كرة القدم العالمية.
وحين تكبر الأحلام، تكبر الخيبات أيضا. لكنه، إذا أحسن التعامل معها، تصبح وقودا لمزيد من العمل، لا ذريعة للبحث عن مؤامرات تعفينا من مواجهة الحقيقة.
بين هدف حمان في مرمى سيب مايير سنة 1970، وحسرة ربع نهائي مونديال 2026، تختصر حكاية الكرة المغربية. إنها قصة شعب لم يعد يحتفل بالمشاركة، بل يغضب لأنه لم يبلغ القمة. وهذا في حد ذاته مكسب. فالأمم التي تكبر أحلامها، تكبر معها خيباتها أيضا، لكنها تكبر معها كذلك قدرتها على مراجعة نفسها، وتصحيح أخطائها، ومواصلة الطريق نحو القمة…ذلك ما نأمله



















