سلسلة: بصمة مسؤول (1).. نادية فتاح العلوي التي راكمت النتائج وسط الأزمة

18 مايو 2026
سلسلة: بصمة مسؤول (1).. نادية فتاح العلوي التي راكمت النتائج وسط الأزمة
كلاش بريس / عبد الله عياش

في زمن أصبحت فيه السياسة عند البعض مرتبطة بالضجيج والبهرجة والشعبوية، اختارت “كلاش بريس” أن تفتح هذه السلسلة الخاصة لتسليط الضوء على أسماء طبعت مسارها داخل دواليب الدولة بنظافة اليد واللسان، وفضلت العمل في صمت بدل البحث عن الأضواء. وزراء ومسؤولون كانت لهم أدوار بارزة في تدبير مراحل دقيقة وعصيبة مرت بها البلاد، وواجهوا التحديات بعقلانية وكفاءة بعيدا عن لغة الاستعراض والمزايدات السياسية.

سلسلة ” بصمة مسؤول ” لا تبحث عن صناعة الأبطال، بقدر ما تحاول إعادة الاعتبار لثقافة المسؤول الجاد الذي يشتغل بمنطق الدولة، ويحترم ذكاء المغاربة، ويضع المصلحة العامة فوق أي حسابات ضيقة. فوسط كثرة الجدل والصراعات التي تطفو من حين لآخر، يبقى من الواجب أيضا الحديث عن نماذج اختارت أن تجعل من العمل والنتائج لغتها الحقيقية.

نادية فتاح العلوي وزيرة الاقتصاد والمالية

في زمن أصبحت فيه الساحة السياسية بالمغرب تعيش على وقع الجدل المتكرر، وتبادل الاتهامات، وظهور ملفات وشبهات تلاحق بعض المسؤولين من حين لآخر، يبرز أحيانا اسم مختلف يشتغل بعيدا عن الضجيج، ويترك الأرقام والنتائج تتحدث بدل الشعارات والخطابات المستهلكة. ومن بين الأسماء التي فرضت حضورها خلال هذه الولاية الحكومية، تبرز نادية فتاح العلوي كواحدة من الشخصيات التي اختارت العمل في صمت، بعيدا عن الشعبوية والاستعراض السياسي.

الوزيرة استطاعت، منذ توليها حقيبة الاقتصاد والمالية، أن ترسم صورة مختلفة داخل حكومة تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، سواء على مستوى التضخم أو تداعيات الأزمات الدولية أو الضغط الاجتماعي المتزايد. ورغم حساسية القطاع الذي تشرف عليه، إلا أن اسمها لم يرتبط بصراعات هامشية أو خرجات مثيرة للجدل، بل ارتبط بلغة الأرقام والانضباط والهدوء في التدبير.

كثيرون يرون أن قوة نادية فتاح العلوي لا تكمن فقط في خبرتها التقنية، بل أيضا في طريقة تواصلها مع المغاربة. فهي لا تميل إلى الخطابات الشعبوية، ولا تحاول بيع الوهم أو تزيين الواقع، بل تعتمد خطابا مباشرا ودقيقا، خصوصا داخل البرلمان، حيث تبدو متمكنة من ملفاتها، وهادئة في الردود، وقادرة على الدفاع عن اختيارات الحكومة بلغة اقتصادية مفهومة وواقعية.

وفي وقت أصبحت فيه بعض المناصب الحكومية مرتبطة بكثرة الانتقادات أو الشبهات أو سوء التدبير، فإن حفاظ وزيرة الاقتصاد والمالية على صورة نظيفة وهادئة وسط هذا المناخ، يعتبر في نظر متتبعين مؤشرا على الجدية ونظافة اليد وحسن تدبير المسؤولية. فالمغاربة اليوم لا يبحثون فقط عن السياسي الذي يتحدث كثيرا، بل عن المسؤول الذي يشتغل بفعالية ويقدم حلولا حقيقية، حتى وإن كانت الظروف صعبة.

ما يميز هذه الوزيرة أيضا، هو أنها تبدو مدركة لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، خاصة وأن الاقتصاد ليس مجرد أرقام وتقارير، بل يرتبط بشكل مباشر بالقدرة الشرائية وفرص الشغل والاستقرار الاجتماعي. لذلك، فإن التعامل مع هذا القطاع يحتاج إلى كفاءة كبيرة وتوازن دقيق بين الواقعية والطموح، وهو ما تحاول نادية فتاح العلوي الحفاظ عليه في مختلف تدخلاتها.

أكيد أن أي مسؤول حكومي يبقى معرضا للنقد والمحاسبة، لأن العمل السياسي بطبيعته لا يخلو من الاختلاف، لكن هناك فرق بين مسؤول يبحث عن الأضواء، وآخر يفضل أن يترك أثره في هدوء. واليوم، وسط تنامي الحديث عن الاختلالات والشبهات التي تطفو من حين لآخر، تبدو البلاد في حاجة أكبر إلى أسماء تشتغل بمنطق الدولة والكفاءة، لا بمنطق الضجيج والبحث عن التصفيق

كما تؤكد مصادر مقربة من الوزيرة إن نادية فتاح العلوي تتميز أيضا بأسلوب تواصل خاص ومختلف مع عدد من المسؤولين والسياسيين، سواء داخل الحكومة أو خارجها، وهو ما جعلها تحافظ على صورة متوازنة بعيدا عن منطق الصراعات أو الاصطفافات الضيقة. فالتواصل في عالم السياسة والتدبير ليس مجرد بروتوكول، بل يعتبر جزءا أساسيا من إيجاد الحلول وخلق التوافقات، خاصة في الملفات الاقتصادية الحساسة التي تتطلب تنسيقا دائما بين مختلف المتدخلين.

هذا الحضور الهادئ والقدرة على بناء جسور التواصل، جعلا من الوزيرة رقما صعبا داخل المشهد الحكومي الحالي، خصوصا في فترة تحتاج فيها البلاد إلى مسؤولين يجمعون بين الكفاءة والقدرة على الإنصات والتفاعل بذكاء مع مختلف الفاعلين. فنجاح أي مسؤول اليوم لا يقاس فقط بالقرارات التي يتخذها، بل أيضا بقدرته على خلق الثقة وتدبير الاختلاف بعقلانية، وهي أمور يبدو أن نادية فتاح العلوي استطاعت أن تحقق فيها حضورا لافتا داخل الحكومة وخارجها.

اخيرا …نادية فتاح العلوي يفترض أن تظل حاضرة في التسيير بغض النظر عن الانتماء الحزبي، لأن عملها يرتبط بالكفاءة والاستمرارية أكثر من الحسابات السياسية. فمثل هذه الكفاءات تضع مصلحة البلاد فوق الأحزاب وتُعامل الملفات الاقتصادية من منطق الدولة لا منطق الحزب، ما يجعل استمرارها ضروريا لضمان التوازن داخل السياسات العمومية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.