في سياق تتواصل فيه الأسئلة حول تدبير المال العام ومسارات الحكامة داخل عدد من المؤسسات العمومية وشبه العمومية، تعود هذه السلسلة إلى فتح ذاكرة بعض الملفات القديمة التي طبعتها نقاشات واسعة في وقتها، وظلت تطرح أكثر من علامة استفهام حول آليات التدبير والمساءلة.
لا يتعلق الأمر بإعادة فتح قضايا راهنة، بقدر ما هو استحضار توثيقي وتحليلي لمسارات سابقة، بهدف تذكير الرأي العام ببعض الإشكالات التي ارتبطت بتدبير المال العام، واستجلاء الدروس الممكنة منها في إطار النقاش العمومي حول الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذه السلسلة تنطلق من مقاربة استقصائية هادئة، تعتمد على إعادة قراءة المعطيات المتوفرة، ومحاولة فهم السياقات التي أحاطت بهذه الملفات في حينها، بعيداً عن أي تأويلات جاهزة أو إطلاق أحكام قطعية.
الغاية ليست الإدانة ولا التبرئة، بل الإسهام في تراكم الوعي العمومي بأهمية صون المال العام، وتعزيز ثقافة الرقابة والنقاش المسؤول حول تدبيره
المكتب الوطني للمطارات
شكل التقرير الصادر عن المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2007 وثيقة كاشفة، رفعت الغطاء عن نسق تدبيري شابته اختلالات بنيوية عميقة في إدارة وتسيير مشروع المحطة الثانية بمطار محمد الخامس الدولي، ولم يكن التقرير مجرد رصد لثغرات تقنية، بل كان صك اتهام صريح لآليات الحكامة داخل المكتب الوطني للمطارات، واضعاً النخبة المسيرة آنذاك تحت مجهر المساءلة القانونية والأخلاقية.
أبرز ما توقف عنده قضاة المجلس كان الانحياز الواضح، غير المبرر موضوعياً، لفائدة شركة بعينها حظيت باحتكار جملة من الأشغال الحيوية استنزفت غلافاً مالياً تجاوز 128 مليون درهم، وهي قيمة تمثل قرابة ربع الميزانية الإجمالية المرصودة للمشروع بأكمله.
ولم تقف التجاوزات عند حدود المحاباة في تمرير الصفقات، بل تعدتها إلى تحريف صارخ للتصميم الهيكلي الأصلي للمشروع، حيث عمدت الإدارة إلى تغيير طيف من المواصفات التقنية بذريعة تقليص النفقات، غير أن الواقع كشف عن واجهة لتضخيم الفواتير وتحويل الفوارق المالية لغايات مجهولة، مما أخل بجودة المنشأة وضوابط الشفافية.
وتجاوزت مظاهر تبديد المال العام حدود التدبير الإداري الكلاسيكي لتلامس مظاهر البذخ الشخصي على حساب المرفق العمومي، وتكفي الإشارة هنا إلى واقعة إنفاق 62670 درهم من ميزانية المكتب في غضون أسبوع واحد فقط، وتحديداً بين 27 دجنبر 2003 و3 يناير 2004، لتغطية مصاريف احتفالات رأس السنة الخاصة بمدير المكتب آنذاك، عبد الحنين بنعلو، وهو مبلغ كان يعادل في ذلك الوقت الراتب الشهري الكامل للوزير الأول.
وتوسعت دائرة الامتيازات ـ حسب ماقالته العديد من المنابر الصحفيةـ لتشمل ريعاً عقارياً وعينياً تمثل في الاستفادة من 10 بقع أرضية مخصصة لتشييد الفيلات في منطقة إفران، وزعت عليه وعلى ثلة من المقربين منه، علاوة على تراكم هدايا فاخرة تجاوزت قيمتها الإجمالية 2.5 مليون درهم، في خرق سافر لمدونات السلوك الوظيفي.
وتكتسي هذه النازلة أبعاداً تراجيدية بالنظر إلى الملف الشخصي والسياسي للمسؤول الأول عن هذه الحقبة، فعبد الحنين بنعلو لم يكن مجرد موظف سامٍ حظي بتشريف رسمي نال بموجبه وسام العرش من درجة فارس، بل كان فاعلاً سياسياً ورفيقاً لبنعيسى الودغيري في الحزب الاشتراكي الديمقراطي قبل اندماجه في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وبذلك، ينتمي بنعلو إلى ذات المرجعية الأيديولوجية التي تخرج منها خالد عليوة، وهي مرجعية طالما قامت أدبياتها على شعارات التوزيع العادل للثروات، وتكافؤ الفرص، والانتصار للفئات الشعبية المقهورة،
غير أن المحك العملي للمسؤولية كشف عن فجوة سحيقة بين الطروحات النظرية والواقع التدبيري، ليتحول الخطاب النضالي إلى مفارقة صارخة أمام واقع تبديد أموال الشعب



















