من الداخلة إلى وجدة.. وقفة الأقدمية العامة تربك حسابات الميداوي

7 يونيو 2026
من الداخلة إلى وجدة.. وقفة الأقدمية العامة تربك حسابات الميداوي
عبد الحق غريب

نظم الأساتذة الباحثون المتضررون من عدم احتساب الأقدمية العامة المكتسبة في الوظيفة العمومية، يوم الجمعة 5 يونيو الجاري، وقفة احتجاجية أمام مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وذلك بدعوة من التنسيقية الوطنية لأساتذة التعليم العالي المتضررين من هذا الملف.

وتأتي هذه الوقفة في سياق الأشكال الاحتجاجية المرتبطة بهذا الملف، التي انطلقت أولى محطاتها سنة 2018، بما يعكس استمرار معاناة المتضررين وإصرارهم على مواصلة النضال من أجل تسوية هذا الملف الذي عمر طويلا.

ولم يكن نجاح هذه الوقفة مجرد مسألة أرقام، رغم أن عدد المشاركين فاق 500 أستاذة وأستاذ باحث، بل تجسد أساسا في الرسالة القوية التي حملتها، وفي القدرة على تعبئة أساتذة قدموا من مختلف جهات المغرب (الداخلة، أكادير، وجدة وغيرها)، متحدين مشقة السفر وتكاليفه للدفاع عن مطلب يعتبرونه عادلا ومشروعا.

هذا الحضور النوعي والكثيف وجه ضربة موجعة للوزارة التي بدا أنها كانت تراهن، كما حدث في مناسبات سابقة، إما على الكاتب الوطني لتأجيل الوقفة أو على مشاركة متواضعة لا تثير الانتباه.

غير أن الواقع جاء مخالفا لكل التوقعات، ووضع الوزارة أمام مشهد لم يكن في حسبانها، وأربك حساباتها.

ولعل أبرز مؤشر على حجم الارتباك الذي خلفته الوقفة، لم يكن قرار إلغاء اللقاء الذي كان مبرمجا في اليوم نفسه بين الوزارة والنقابة الوطنية للتعليم العالي لمناقشة الملف المطلبي، بل تسريب خبر الإلغاء أثناء الوقفة الاحتجاجية.

وهو قرار يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفياته وتوقيته، خاصة أنه جاء متزامنا مع احتجاج سلمي وحضاري رفع فيه الأساتذة الباحثون شعارات قوية تعبر عن مطالبهم بشكل واضح ومسؤول.

وقد يقرأ البعض هذا القرار باعتباره محاولة لإرسال رسالة مفادها أن الشارع ليس فضاء للضغط والاحتجاج، وأن الحوار ينبغي أن يظل محصورا داخل القنوات الرسمية.

غير أن مثل هذه الرسائل لا تلغي حقيقة أساسية، وهي أن التعبئة التي أبانت عنها تنسيقية الأقدمية العامة تؤكد أن هذا الملف أصبح قضية ملحة يستحيل تأجيلها، وهو ما عمّق من إصرار المتضررين على مواصلة النضال.

أما تبرير قرار إلغاء اللقاء بمشاركة أعضاء من المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي في الوقفة الاحتجاجية، والإعلان عنه في خضم الاحتجاج، فلا يعكس فقط غياب الجدية في التعاطي مع الملف المطلبي، بل يكشف أيضا عن محاولة لاتخاذ ذلك ذريعة لمواصلة سياسة التسويف والمماطلة، فضلا عما يثيره من تساؤلات بشأن احترام استقلالية العمل النقابي.

وإذا كانت الوزارة تراهن من خلال هذا القرار على إضعاف التعبئة أو ثني الأساتذة الباحثين عن مواصلة نضالهم في الشارع، فإنها قد أخطأت التقدير، لأن ما وقع لن يزيد أصحاب هذا الملف إلا إصرارا على مواصلة النضال حتى تحقيق مطلبهم العادل والمشروع.

وما دامت كل المؤشرات تؤكد أن الوزارة ما تزال تراهن على المماطلة والتسويف بدل التعاطي الجدي مع الملف، فإن هذا الوضع قد يفتح الباب أمام مزيد من الأشكال الاحتجاجية الأكثر تأثيرا (وقفات احتجاجية أمام البرلمان، اعتصامات..).

لذلك فإن المطلوب اليوم، إذا كان الوزير فعلا كما يردد في مختلف المناسبات حريصا على الإصلاح والنهوض بالجامعة والبحث العلمي، (المطلوب) هو القطع مع منطق التسويف وربح الوقت، والانخراط في معالجة جدية ومسؤولة لهذا الملف، وغيره من الملفات، بما يضمن الاستجابة للمطالب المشروعة واستقرار الوضع بالجامعة.

ختاما… إن أي مشروع إصلاحي لا يمكن أن يستقيم مع واقع يضطر فيه أساتذة باحثون إلى قطع مسافات طويلة من الداخلة وأكادير ووجدة وغيرها من المدن، للوقوف أمام مقر الوزارة بالرباط للاحتجاج، بدل استثمار وقتهم وجهدهم داخل مختبراتهم ومؤسساتهم في البحث والعطاء العلمي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.