قراءة في ميثاق التحالف اليساري: حين يصبح اليسار ضرورة وطنية

منذ 3 ساعات
قراءة في ميثاق التحالف اليساري: حين يصبح اليسار ضرورة وطنية
ابو فاطمة الزهراء

في زمن تتسع فيه الفوارق الاجتماعية، وتتراجع فيه السياسة لصالح المال والنفوذ، وتزداد فيه هشاشة الطبقات الشعبية تحت وطأة الغلاء وتفكيك الخدمات العمومية، لا تبدو الوحدة اليسارية ترفاً تنظيمياً أو خياراً تكتيكياً عابراً، بل ضرورة سياسية ووطنية تفرضها طبيعة المرحلة نفسها.

من هذا المنطلق يأتي ميثاق التحالف اليساري الموقع بين فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد. فهو ليس مجرد وثيقة توافق بين تنظيمين سياسيين، بل محاولة لإعادة بناء أفق يساري قادر على مواجهة الاختلالات البنيوية التي تعاني منها البلاد، وإعادة الاعتبار للفعل السياسي باعتباره أداة للتغيير لا مجرد وسيلة لتدبير القائم.

فالوثيقة تنطلق من تشخيص واضح لأزمة النموذج السائد، حيث تتركز الثروة في أيدي أقلية محدودة، بينما تتسع دائرة الهشاشة والإقصاء. وحيث تتراجع أدوار الدولة الاجتماعية لصالح منطق السوق، وتتآكل المكتسبات الديمقراطية أمام تغول السلط الاقتصادية والمالية. لذلك يضع الميثاق في صلب أولوياته الدفاع عن العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للثروة، وتقوية المرافق العمومية، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنات والمواطنين.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا الميثاق لا تكمن فقط في مضامينه السياسية والاجتماعية، بل أيضاً في الرسالة التي يحملها إلى عموم اليساريين والديمقراطيين. فبعد سنوات من التشتت والخلافات التي أضعفت اليسار وأفقدته جزءاً من قدرته على التأثير، تأتي هذه المبادرة لتؤكد حقيقة طالما آمن بها المناضلون: أن ما يجمع اليسار المناضل أكبر بكثير مما يفرقه.

يجمعه الانحياز التاريخي للكادحين والفئات الشعبية، والدفاع عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومقاومة الاستبداد والفساد والريع والاحتكار. ويجمعه الإيمان بأن السياسة ليست سلماً للمناصب والامتيازات، بل التزام أخلاقي ونضالي من أجل بناء مجتمع أكثر إنصافاً ومساواة. ورغم ما راكمته التجربة اليسارية من اختلافات في التقدير أو التنظيم، فإن القيم المؤسسة للحركة اليسارية ظلت واحدة: الكرامة، والمساواة، والتضامن، والحق في الثروة والسلطة والمعرفة.

ومن هنا تكتسب هذه الخطوة أهميتها. فهي ليست مجرد ترتيب تنظيمي جديد، بل محاولة لإعادة الاعتبار للفكرة اليسارية نفسها في لحظة تتعاظم فيها الحاجة إلى بديل ديمقراطي حداثي قادر على مواجهة تغول المال وتراجع السياسة واتساع دائرة التهميش. إنها دعوة إلى الانتقال من منطق التنافس بين المكونات اليسارية إلى منطق التكامل حول القضايا الكبرى التي تهم الوطن والمواطنين.

كما أن الميثاق لا يقدم الوحدة باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل باعتبارها أداة للنضال من أجل مغرب تسوده العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وتوزيع عادل للثروة. وهو بذلك يستعيد أحد أهم الدروس التي راكمتها الحركة اليسارية عبر تاريخها الطويل: أن قوة اليسار لا تقاس بعدد تنظيماته، بل بقدرته على توحيد طاقات التغيير حول مشروع مجتمعي واضح ومنحاز للأغلبية الشعبية.

وفي السياق الوطني، يؤكد الميثاق أن الدفاع عن الوحدة الترابية لا ينفصل عن بناء جبهة داخلية قوية ومتماسكة، أساسها احترام الحقوق والحريات وتوسيع فضاءات المشاركة الديمقراطية. فالوطن القوي ليس فقط ذلك الذي يحقق المكاسب الدبلوماسية، بل أيضاً الذي يجعل من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ركيزتين للاستقرار والتقدم.

لكن التاريخ يعلمنا أن أصعب مراحل الوحدة ليست لحظة التوقيع، بل ما يليها. فالمطلوب اليوم ليس فقط إنتاج خطاب وحدوي، بل بناء ممارسة وحدوية يومية في الميدان، وسط النقابات والحركات الاجتماعية والجمعيات والأحياء والجامعات. هناك، حيث تتجسد معاناة الناس الحقيقية، يكتسب أي مشروع يساري شرعيته وقوته، وهناك أيضاً يُختبر صدق الشعارات وعمق القناعات.

إن هذا الميثاق يفتح نافذة أمل في مشهد سياسي يزداد فقراً في البدائل، لكنه يضع في الآن ذاته مسؤولية ثقيلة على عاتق مكوناته. فنجاحه لن يقاس بعدد المقاعد التي قد يحصل عليها، ولا بحجم الصدى الإعلامي الذي رافق الإعلان عنه، بل بقدرته على التحول إلى قوة سياسية ومجتمعية فاعلة، تحمل هموم الناس وتدافع عن مصالحهم وتعيد الاعتبار للسياسة باعتبارها أفقاً للتغيير.

لذلك، فإن قراءة هذا الميثاق لا ينبغي أن تتوقف عند ما ورد في بنوده من مبادئ وأهداف، بل عند ما يفتحه من أفق جديد أمام اليسار المغربي. فحين تتعمق الأزمات الاجتماعية وتتراجع الثقة في المؤسسات وتتسع الفجوة بين الثروة والفقر، لا يعود اليسار مجرد خيار سياسي من بين خيارات أخرى، بل يصبح ضرورة وطنية، وحاجة مجتمعية ملحة، وقوة مطلوبة لإعادة التوازن إلى الحياة السياسية والدفاع عن حق المغاربة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.