سبتة.. صرخة عتاب جيلية وهوياتية تتجاوز الهجرة غير النظامية

23 أغسطس 2026
سبتة.. صرخة عتاب جيلية وهوياتية تتجاوز الهجرة غير النظامية

لم تعد الأحداث التي عرفتها الحدود مع مدينة سبتة المحتلة قابلة للاختزال في خانة الهجرة غير النظامية، ولا في التفسيرات الجاهزة التي تربط كل تحرك شبابي بالفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية. فالمشهد، بحسب قراءة سوسيولوجية قدمها الخبير المغربي في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الدكتور جمال فزة، يكشف عن أزمة أعمق تتقاطع فيها التحولات الاجتماعية مع الإحباط والهوية وشعور فئات من المجتمع بأنها باتت خارج دائرة الاستفادة من ثمار التغيير الاقتصادي.

ويرى فزة أن ما حدث في سبتة ظاهرة استثنائية ومتعددة الأبعاد، تشبه في بعض جوانبها أحداث سنة 2021، لكنها تختلف عنها من حيث الحجم والتركيبة البشرية للمشاركين. لذلك، فإن فهمها لا يمكن أن يتم عبر الأرقام وحدها، سواء تعلق الأمر بالبطالة أو بالشباب غير المشتغلين وغير المتمدرسين وغير المستفيدين من التكوين.

ويحذر الباحث من تحويل فئة الشباب المعروفة بـ«NEET» إلى مفتاح جاهز لتفسير كل الاحتجاجات والتحركات الجماعية. فهذا النوع من التفسير، في نظره، قد يحدد الشروط المادية المحيطة بالحدث، لكنه لا يفسر معناه ولا يجيب عن السؤال الأساسي: لماذا اختار هؤلاء الشباب سبتة تحديدًا، ولماذا شارك بينهم أطفال وقاصرون ونساء وأشخاص لا تبدو عليهم مظاهر الفقر المدقع؟

ويستحضر فزة في هذا السياق شروط عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين لتعريف الحركة الاجتماعية، والمتمثلة في الهوية والتعارض والكلية…

وبإسقاط هذه الشروط على أحداث سبتة، يرى أن عناصر الحركة الاجتماعية بالمعنى الدقيق لا تبدو مكتملة، ما يجعل من الصعب اعتبار ما جرى حراكًا اجتماعيًا منظمًا وقابلًا للاستمرار بالمعنى التقليدي.

لكن المفارقة الأساسية، وفق القراءة ذاتها، تكمن في أن المشاركين لم يكونوا جميعًا مدفوعين بالسبب نفسه. فبينما تحدث البعض عن غياب فرص العيش الكريم، تعامل آخرون مع العبور باعتباره تجربة أو مغامرة، في حين حملت تصريحات بعض القاصرين رسائل أكثر حدة تجاه الوطن والمستقبل.

وهنا يضع فزة إصبعه على عامل مختلف: الرغبة في الظهور. فالأحداث، في تقديره، لا تجمعها فقط الرغبة في العبور إلى الضفة الأخرى، وإنما الرغبة في إرسال رسالة وإثبات الحضور داخل فضاء رقمي جعل الفرد قادرًا على التعبير عن غضبه خارج الوسائط التقليدية من أحزاب ونقابات ومؤسسات للوساطة.
لقد تحولت شبكات التواصل الاجتماعي، من هذا المنظور، إلى فضاء جديد للفعل الجماعي. فـ«تيك توك» و«واتساب» و«تلغرام» لم تعد مجرد منصات للتواصل، وإنما أصبحت أدوات للتعبئة وصناعة الصور وتبادل الرسائل وتشكيل الوعي الجماعي، خصوصًا لدى الأجيال الشابة التي لم تعد ترى في الوسائط التقليدية القنوات الوحيدة للتعبير.

ويرى فزة أن ما حدث في سبتة يعكس، في عمقه، صدعًا مجتمعيًا وأزمة في معنى التضامن الاجتماعي. فالمغرب، الذي عرف خلال السنوات الأخيرة تطورًا اقتصاديًا وعمرانيًا وبنيًا تحتية متسارعًا، رفع أيضًا سقف انتظارات المواطنين. ومع ارتفاع سقف الطموحات، برز شعور لدى فئات اجتماعية بأنها لا تستفيد من ثمار النمو بالقدر نفسه، وأنها توجد على هامش التحولات التي يعيشها البلد.

ومن هنا تأتي فكرة «الصرخة» التي يضعها الباحث في قلب قراءته. فالمشاركون، وفق هذا التصور، لا يعلنون بالضرورة رفض البلد بقدر ما يعبّرون عن شعور بالخذلان تجاهه. إنها، كما يلخصها فزة، صرخة عتاب من جيل يرى أن القريب لم يعد يصغي إليه، فيصبح البعيد، رغم مخاطره، أكثر إغراءً.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع الحضور اللافت للقاصرين والفتيات والأطفال. فهؤلاء لا يمكن التعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام إضافية في موجة هجرة، لأن مشاركتهم تطرح أسئلة عن الأسرة وعن علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن والمستقبل.

وفي هذا السياق، يذهب فزة إلى فرضية أكثر إثارة للجدل، مفادها أن جيل الآباء نفسه قد يكون حاضرًا بشكل غير معلن في خلفية الظاهرة. فجيل عاش طويلًا على قيم التفاني والعمل والصبر من أجل المستقبل، وجد نفسه أمام واقع جديد يحتفي أحيانًا بالنجاح السريع وبنماذج لا ترتبط بالضرورة بالاستحقاق أو المجهود. ومع تراكم الخيبات، أصبح بعض الآباء يدفعون أبناءهم إلى البحث عن أقصر الطرق للوصول، حتى لو قادتهم إلى خارج الحدود.

أما المدن الحدودية مثل الفنيدق وتطوان والمضيق، فتوجد في قلب هذه المعادلة، لأنها تعيش يوميًا على تماس مباشر مع صورتين متناقضتين للعالم. فمن جهة، هناك أوروبا القريبة التي تبدو كفردوس اقتصادي واجتماعي لمن ينظر إليها من الضفة المغربية، ومن جهة أخرى هناك عالم مغربي غني بالهوية والذاكرة والتاريخ يرى الآخر من موقع مختلف.

ويستعين فزة هنا بمفهوم عالم الاجتماع مانويل كاستلز حول التوتر بين «الشبكة» و«الهوية». فالعالم الحديث، بحسب هذا التصور، يتحرك بين فضاء عالمي تحكمه التكنولوجيا والعولمة والاقتصاد، وفضاءات محلية تتمسك بالهوية والتراث والانتماء. وبين العالمين يتحرك البشر، لكن بشكل غير متكافئ؛ فالسلع والبضائع تعبر الحدود بسهولة أكبر بكثير من الأشخاص.

ومن هذه الزاوية، تصبح سبتة أكثر من مجرد نقطة حدودية للهجرة. إنها فضاء تتقاطع فيه صورة أوروبا مع أزمة الانتظارات، وتتصادم فيه الهوية مع الرغبة في الاندماج داخل عالم آخر، وتتحول فيه الحدود إلى شاشة كبيرة يرى من خلالها الشباب عالمًا مختلفًا ويقارنونه بواقعهم اليومي.

لذلك، فإن اختزال ما حدث في سبتة في «الهجرة غير النظامية» قد يكون، وفق هذه القراءة، تبسيطًا لظاهرة أكثر عمقًا. فالعبور لم يكن هو الرسالة الوحيدة، وربما لم يكن الرسالة الأهم. الرسالة الأعمق كانت في حجم التعبئة، وفي طبيعة المشاركين، وفي الصور التي انتشرت، وفي الخطاب الذي رافق الحدث. يقول الخبير اعلاه القدس العربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.