في موسم الأضاحي، يتكرر مشهد يكشف مفارقة واضحة في سلوك السوق وتصورات المستهلكين. كثيرون يبحثون عن “الحولي المثالي”: خروف سمين، مكتنز باللحم، خالٍ تقريبًا من الشحوم، متغذٍ على المراعي الطبيعية فقط، قليل العظم، وبسعر لا يتجاوز ألفي درهم. غير أن هذه المواصفات، رغم جاذبيتها، تصطدم بواقع اقتصادي وبيئي معقد يجعل اجتماعها في أضحية واحدة أمرًا بعيد المنال.
فالخروف الذي يعتمد على الكلأ الطبيعي غالبًا ما يكون أقل وزنًا من نظيره الذي يتغذى على العلف المركب، في حين أن الحصول على كتلة لحمية كبيرة يقتضي نظام تغذية مكثفًا وتكاليف إضافية يتحملها الكساب طوال أشهر. ومع توالي سنوات الجفاف التي أنهكت المراعي ورفعت أسعار الأعلاف بشكل غير مسبوق، وجد مربو الماشية أنفسهم أمام معادلة صعبة، حيث ترتفع كلفة الإنتاج في مقابل تراجع القدرة الشرائية لدى المستهلك.
لقد مرّ قطاع تربية الماشية في المغرب بسنوات قاسية تكبّد خلالها الكسابون خسائر متراكمة، زادها تعقيدًا إلغاء شعيرة الأضحية في السنة الماضية ، وهو ما حرمهم من أهم مواسم التسويق. ورغم محاولات الدولة التخفيف من وطأة الأزمة عبر بعض أشكال الدعم، ظلت آثار الجفاف وغلاء المدخلات حاضرة بقوة، ما جعل استعادة التوازن عملية بطيئة ومكلفة.
في المقابل، برزت خلال الفترة الأخيرة نزعة لدى بعض المستهلكين للاحتفاء بانخفاض الأسعار دون الالتفات إلى كلفة الإنتاج أو معاناة الكساب، وكأن خسارة هذا الأخير مكسب مباشر لهم. غير أن هذه النظرة القصيرة الأمد تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن اختلال توازن السوق ينعكس في النهاية على الجميع، إما من خلال ندرة في العرض وارتفاع حاد في الأسعار لاحقًا، أو عبر تدهور جودة المنتوج.
إن سوق الأضاحي، كسائر الأسواق، تحكمه قوانين العرض والطلب، وتتأثر فيه عوامل المناخ والتكاليف وسلاسل التوريد. لذلك، فإن البحث عن الجودة بثمن منخفض جدًا يظل مرتبطًا بقدر من الواقعية والتوازن. فإما تخفيف الشروط المطلوبة، أو رفع سقف الميزانية، أو القبول بحلول وسطى تضمن استمرارية هذا النشاط وتحفظ كرامة العاملين فيه.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بثمن خروف فحسب، إنها منظومة اجتماعية واقتصادية مترابطة، يتقاسم فيها الجميع مسؤولية الحفاظ على توازنها، بعيدًا عن منطق الربح السريع أو الخسارة المتبادلة.


















