مرة أخرى، يكتشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ما يعرفه المغاربة منذ سنوات: التعليم يعيش اختلالات عميقة، التشغيل مأزوم، الفوارق المجالية تتسع، الصحة النفسية للشباب تنهار بصمت، والثقة في المؤسسات تتآكل بشكل خطير.
مرة أخرى، تنظم اللقاءات، ترفع الشعارات حول “الإنصات” و”المشاركة المواطنة”، ثم تكتب التقارير والتوصيات بلغة تقنية أنيقة، وكأن المشكل في نقص التشخيص لا في غياب الإرادة السياسية والمؤسساتية.
لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا قال الشباب؟
بل: من يحق له الحديث باسم الشباب أصلا؟
أي مفارقة هذه أن يتحدث مجلس تجاوز عمره القانوني والمؤسساتي كل الحدود الممكنة عن “إشراك الشباب”، بينما هو نفسه تحول إلى نموذج صارخ لاحتكار المواقع وإغلاق أبواب التداول
أي مصداقية تبقى لمؤسسة يفترض أن تكون فضاءا للتعدد والتمثيلية الحية، بينما أصبحت في نظر كثيرين فضاءا لإعادة تدوير نفس الأسماء والوجوه والمواقع؟
لقد أصبح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، شأنه شأن مؤسسات وهيئات أخرى، يعيش وضعا استثنائيا طال أكثر مما ينبغي.
فالعمر الافتراضي الطبيعي لمؤسسة من هذا النوع مرتبط بدينامية التجديد، وتداول الأفكار، وتجدد النخب والخبرات. لكن ما وقع هو العكس تماما: تمديد ضمني غير معلن، واستمرار يتجاوز ثلاث مرات ما يفترض أن يكون مدة منطقية للتجديد، في مشهد يكشف كيف تتحول بعض المؤسسات بالتدريج من آليات للتمثيل إلى فضاءات للتموقع الدائم.
والأخطر من ذلك أن المقاعد التي يفترض أن تفتح أمام الكفاءات الشابة، والباحثين الجدد، والفاعلين المدنيين الصاعدين، بقيت محتكرة من طرف نخبة شاخت داخل المواقع نفسها.
شباب المغرب اليوم ليسوا مجرد فئة عمرية تبحث عن فرصة للظهور الرمزي في “ورشات تشاركية”، بل هم حاملو خبرات ومعارف وكفاءات حقيقية في الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والعلوم الاجتماعية، والعمل الميداني، والثقافة، والبيئة، وريادة الأعمال، والعمل النقابي والحقوقي.
في الجامعات المغربية، وفي الأحياء الشعبية، وفي القرى، وفي الهجرة، يوجد آلاف الشباب القادرين على إنتاج تصورات أكثر جرأة وواقعية من كثير من التقارير الرسمية.
فيهم اليساري والإسلامي والليبرالي والمستقل، وفيهم النقابي والباحث والمقاول والفنان والفاعل الجمعوي.
أي إن المغرب الحقيقي، بتنوعه الفكري والاجتماعي والثقافي، موجود خارج أسوار المؤسسات أكثر مما هو داخلها
.
لكن المؤسسات التي تتحدث اليوم عن “الإصغاء إلى جيل زد” لا تزال تدار بعقلية الوصاية على الشباب، لا بعقلية الشراكة معهم.
فهي تريد من الشباب أن يتكلموا داخل القاعات، لا أن يشاركوا فعليا في صناعة القرار.
تريدهم قوة اقتراح بلا سلطة اقتراح حقيقية.
وتريدهم حضورا تجميليا أكثر من كونهم شركاء في إعادة بناء السياسات العمومية.
إن أزمة الشباب في المغرب ليست فقط أزمة شغل أو تعليم، بل هي أيضا أزمة تمثيل.
حين يرى شاب مغربي أن المؤسسات التي تتحدث باسمه لا تتجدد، وأن المواقع نفسها لا تغادر أصحابها، وأن التداول محدود، فإن فقدان الثقة يصبح نتيجة طبيعية لا موقفا عدميا.
ولهذا فإن أي حديث جدي عن إشراك الشباب ينبغي أن يبدأ من إصلاح عميق لمنطق التعيين والتمثيلية وتجديد النخب داخل المؤسسات الاستشارية نفسها.
لأن الشباب لا يحتاجون فقط إلى “الاستماع إليهم”، بل إلى فتح الأبواب أمامهم لاحتلال مواقع الفعل والتأثير.
أما أن يتحول الشباب إلى موضوع دائم للندوات، بينما تغلق أمامهم مواقع القرار، فذلك ليس إنصاتا، بل إعادة إنتاج ناعمة لنفس الأزمة التي تدعي المؤسسات معالجتها.
لقد قال الشباب كلمتهم بوضوح: يريدون مؤسسات قريبة، شفافة، منسجمة، وفعالة.
لكن أول امتحان حقيقي لهذه الشعارات هو أن تنظر هذه المؤسسات إلى نفسها في المرآة، وتسأل:
هل نحن فعلا جزء من الحل… أم أصبحنا جزءا من الأزمة؟


















