بقلم: فتح الله حافظي
ثمة هزائم لا تستحق الحداد، لأنها تحمل في داخلها بذور الانتصارات المقبلة. في كرة القدم، كما في الحياة، ليست كل نهاية تعني السقوط، بل قد تكون بداية حقيقية لولادة منتخب أكثر نضجاً وصلابة.
هذا بالضبط ما ينطبق على المنتخب المصري في مواجهته أمام الأرجنتين. فقد قدم مباراة كبيرة، لعب بثقة، ونافس أحد أكثر منتخبات العالم خبرة دون عقدة أو خوف، بل جعل منافسه يعمل حتى الأنفاس الأخيرة ليحسم بطاقة العبور. لم يكن الفارق في الجودة الفنية كبيراً، بقدر ما كان الفارق في التعامل مع التفاصيل التي لا يتعلمها اللاعبون إلا بكثرة الحضور في البطولات الكبرى.
في كأس العالم، لا تُقاس المباريات بالتسعين دقيقة فقط، بل بالقدرة على إدارة الدقيقة الواحدة عندما تصبح أثقل من مباراة كاملة. هناك، حيث تتسارع الأنفاس وتضيق المساحات، يظهر الفرق بين منتخب اعتاد هذه الضغوط ومنتخب ما يزال يراكم خبرته.
ولعل الجماهير المغربية تدرك هذا المعنى أكثر من غيرها. ففي صيف 1986، خطف المنتخب المغربي أنظار العالم بعدما كسر احتكار الكبار، وتأهل لأول مرة في تاريخ العرب وإفريقيا إلى الدور الثاني. يومها وقف في وجه ألمانيا الغربية بكل شجاعة، وقدم واحدة من أجمل مباريات المونديال، قبل أن يسقط بهدف قاتل حمل توقيع لوثار ماتيوس في الدقائق الأخيرة.
لم يقل أحد آنذاك إن المغرب فشل. بالعكس، كانت تلك المباراة هي التي صنعت شخصية الكرة المغربية لسنوات طويلة، لأنها أقنعت الجميع بأن المنتخب يملك القدرة على مقارعة العمالقة، وأن ما ينقصه ليس الموهبة، وإنما تراكم التجربة.
واليوم تبدو مصر وكأنها تعيش المشهد نفسه. خرجت من دور الثمن، لكنها خرجت بعدما تركت انطباعاً بأنها تملك منتخباً يستحق الاحترام، وأن الفارق بينها وبين كبار اللعبة لم يعد كما كان في السابق.
كرة القدم لا ترحم من يهدر اللحظات الحاسمة، لكنها في المقابل تكافئ من يحسن التعلم منها. وما يبدو اليوم إقصاءً مؤلماً، قد يتحول غداً إلى أهم درس في بناء منتخب قادر على الذهاب أبعد مما وصل إليه اليوم.
لذلك، فإن خروج المنتخب المصري لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية الحكاية، بل بداية فصل جديد. فالمنتخبات الكبيرة لا تُبنى بالانتصارات وحدها، وإنما أيضاً بالهزائم التي تتحول إلى دروس، وبالخيبات التي تُصقل الشخصيات وتصنع الأبطال.
كل التوفيق للكرة المصرية في قادم الاستحقاقات، فهي غادرت المنافسة وقد ربحت احترام الجميع، وقدمت صورة مشرّفة للكرة العربية والإفريقية.
أما الآن، فقد انتقل مشعل الحلم العربي والإفريقي إلى المنتخب المغربي، الذي سيكون على موعد مع مواجهة قوية أمام المنتخب الفرنسي في ربع النهائي بعد غد الخميس. وكل الأمنيات لأسود الأطلس بأن يواصلوا كتابة التاريخ، وأن يمددوا الرحلة المونديالية، ليس دفاعاً عن ألوان المغرب فقط، بل أيضاً تمثيلاً لكرة عربية وإفريقية أثبتت في هذا المونديال أنها لم تعد تكتفي بالمشاركة، بل أصبحت تنافس على صناعة المجد.



















