عثمان باقة
مقدمة
ليست كل الأزمات الكبرى التي تواجه الدول وليدة سبب واحد، كما أنها ليست جميعها نتاج مؤامرات خارجية، فغالبا ما تنشأ الأحداث المفصلية من تفاعل عوامل داخلية تتراكم عبر الزمن مع متغيرات إقليمية ودولية تتيح لأطراف مختلفة استثمارها أو توظيفها لخدمة مصالحها، ومن ثم، فإن القراءة الرصينة للأزمات الوطنية لا ينبغي أن تقع في فخ التفسير الأحادي؛ فلا يجوز رد كل شيء إلى الفقر والبطالة، كما لا يجوز، في المقابل، تفسير كل حدث بنظرية المؤامرة.
وفي هذا الإطار، تكتسي أحداث النزوح الجماعي التي شهدتها المناطق المغربية المحاذية لمدينتي سبتة ومليلية السليبتين أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب العدد الكبير من الشباب والأطفال والنساء وحتى الشيوخ الذين توافدوا على المنطقة، وإنما أيضا بسبب توقيتها، وسياقها السياسي، وحجم التفاعل الوطني والأوروبي الذي رافقها. فقد تزامنت هذه الأحداث مع الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، ومع الخطاب الملكي الذي قدم حصيلة اجمالية لحكم الملك محمد السادس، ورسم معالم المرحلة المقبلة، كما جاءت في ظرفية تتسم بالاستعداد للاستحقاقات التشريعية، وفي سياق إقليمي ودولي يعرف تصاعدا غير مسبوق للنقاش حول الهجرة، وأمن الحدود، والحرب على غزة، والتحولات التي تعرفها العلاقات داخل الفضاء الأورو- متوسطي، دون ان ننسى ملف الصحراء.
ولذلك، فإن التعامل مع هذا الحدث باعتباره مجرد محاولة جماعية للهجرة غير النظامية يظل تبسيطا لظاهرة معقدة، تماما كما أن اعتباره نتيجة مؤامرة خارجية مكتملة الأركان، دون سند موضوعي، لا ينسجم مع مقتضيات التحليل العلمي. فالوقائع الثابتة تؤكد وجود أزمة اجتماعية دفعت عشرات الآلاف من الشباب إلى المخاطرة، كما أن طبيعة الحدث وتوقيته وما أعقبه من تفاعلات سياسية وإعلامية أوروبية تفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول أبعاده السياسية والأمنية والجيوسياسية.
وانطلاقا من ذلك، تتمثل الإشكالية المركزية لمقالنا في السؤال الآتي:
إلى أي حد يمكن تفسير النزوح الجماعي للمغاربة نحو سبتة ومليلية بالاختلالات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية؟ وهل تكفي هذه المقاربة وحدها لفهم ما جرى، أم أن طبيعة الحدث وتوقيته والسياق الإقليمي والدولي الذي وقع فيه تفرض أيضا استحضار احتمالات التوظيف السياسي والجيوسياسي، دون الوقوع في التفسير التآمري أو إعفاء الفاعلين الداخليين من مسؤولياتهم؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، يتناول هذا المقال سبعة محاور مترابطة؛ تبدأ بتحليل البعد الاجتماعي والاقتصادي للهجرة باعتبارها مؤشرا على أزمة الثقة في المستقبل، ثم تناقش الحدث في ضوء تقييم السياسات العمومية والاستحقاقات التشريعية المقبلة، قبل الوقوف عند دلالات توقيته، ثم تحليل أبعاده الجيوسياسية في ضوء ما تداولته الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية والدولية، ومناقشة الإشكالات الأمنية والمؤسساتية التي كشف عنها، وتحليل علاقة اقتصاد الريع واختلال العدالة الاجتماعية بتنامي مشاعر الإحباط لدى الشباب، ليختتم المقال بطرح مشروع رؤية سياسية ذات بعد اجتماعي تعتبر أن مواجهة الهجرة غير النظامية لا تبدأ من تشديد الرقابة على الحدود، وإنما من إصلاح الأسباب البنيوية التي تدفع المواطنين إلى التفكير في مغادرة وطنهم.
تمهيد
يستند هذا المقال إلى منهجية تقوم على التمييز بين ثلاث مستويات متكاملة: الوقائع الثابتة التي لا خلاف بشأنها، والأسئلة المشروعة التي يفرضها الحدث، والفرضيات المتداولة في الأوساط السياسية والإعلامية الوطنية والدولية والتي تستحق الدراسة دون التسليم بها باعتبارها حقائق نهائية. فالمسؤولية الوطنية تقتضي ألا نغض الطرف عن الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزت هذا الاحتقان، كما تقتضي، في الآن نفسه، ألا نستبعد أن تصبح هذه الاختلالات موضوعا للاستثمار أو التوظيف من قبل أطراف خارجية في سياقات إقليمية ودولية معقدة.
لذلك، فإن الغاية من هذا المقال ليست توزيع الاتهامات، ولا تبرئة أي طرف، وإنما الإسهام في بناء فهم متوازن لحدث استثنائي، لأن بناء السياسات العمومية الرشيدة يبدأ دائما بطرح الأسئلة الصحيحة، قبل البحث عن الأجوبة المناسبة.
أولا: الهجرة بوصفها مؤشرا على الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.
لقد أعادت أحداث النزوح الجماعي نحو سبتة ومليلية إلى الواجهة سؤالا ظل يؤرق المغرب منذ سنوات، ويتعلق بقدرة النموذج التنموي والسياسات العمومية على توفير شروط العيش الكريم والأمل لفئات واسعة من المواطنين، وخاصة الشباب. فالهجرة ليست ظاهرة جديدة في التاريخ المغربي، كما أنها ليست حكرا على المغرب وحده، غير أن ما يثير القلق اليوم هو التحول الذي عرفته دوافعها وأشكالها. فبعد أن كانت الهجرة في مراحل سابقة مرتبطة أساسا بالبحث عن تحسين مستوى الدخل، أصبحت اليوم تعبيرا عن أزمة ثقة في المستقبل، وعن شعور متنام لدى جزء من الشباب بأن إمكانيات تحقيق الذات داخل الوطن أصبحت محدودة، وأن فرص الارتقاء الاجتماعي لم تعد متاحة للجميع بالقدر نفسه.
ومن هذا المنطلق، فإن آلاف الشباب الذين توجهوا نحو سبتة ومليلية – وكلهم مغاربة، اذ لم يتم تسجيل تواجد أي اجنبي بينهم وفق المعطيات المتوفرة – لا يمكن النظر إليهم باعتبارهم مجرد مخالفين للقانون أو باحثين عن مغامرة، بل ينبغي النظر إليهم باعتبارهم مؤشرا اجتماعيا وسياسيا على وجود اختلالات عميقة تستوجب المعالجة. فالإنسان لا يغادر وطنه لأنه يكرهه، وإنما لأنه يشعر بأن وطنه لم يعد قادرا على تحقيق الحد الأدنى من تطلعاته المشروعة في الشغل، والتعليم، والصحة، والسكن، والكرامة، والعدالة الاجتماعية.
إن البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل راكمت شعورا بالإحباط لدى فئات واسعة من الشباب، ويزداد هذا الإحساس حدة عندما يقارن الشباب أوضاعهم بما يشاهدونه يوميا عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تبدو لهم مجتمعات أخرى أكثر قدرة على توفير فرص العمل والاستقرار والاندماج. ومن هنا، فإن الهجرة غير النظامية ليست سبب الأزمة، وإنما إحدى نتائجها، وهو ما يجعل الاقتصار على المقاربة الأمنية معالجة للنتائج دون الأسباب.
ولذلك، فإن أي سياسة وطنية جادة لمواجهة هذه الظاهرة ينبغي أن تبدأ من إعادة بناء الثقة في المستقبل، عبر توفير الشغل اللائق، وتحسين المدرسة العمومية، وتعزيز الخدمات الصحية، وضمان تكافؤ الفرص، بما يجعل الوطن فضاء لتحقيق الطموحات، لا مجرد نقطة انطلاق نحو الضفة الأخرى.
ثانيا: النزوح الجماعي في سياق تقييم السياسات العمومية والاستحقاقات الانتخابية
لا يمكن فصل ما وقع عن السياق السياسي الذي يعيشه المغرب، وهو سياق يتسم بانتهاء الولاية الحكومية الحالية، والاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث تصبح حصيلة السياسات العمومية موضوعا للنقاش والمحاسبة. فالانتخابات ليست مناسبة لتجديد المؤسسات فقط، وإنما هي أيضا لحظة ديمقراطية لتقييم أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين. ومن هذه الزاوية، فإن صور عشرات الآلاف من الشباب وهم يتوجهون نحو سبتة ومليلية ستظل، بالنسبة إلى جزء واسع من الرأي العام، واحدة من أقوى الصور التي ستختزل الحصيلة الاجتماعية للمرحلة.
فقد يكون من المشروع الحديث عن مشاريع كبرى، واستثمارات مهمة، ومؤشرات اقتصادية إيجابية، غير أن المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة عمومية يبقى هو مدى انعكاسها على حياة المواطنين، وعلى قدرتها على خلق فرص الشغل، وتعزيز الثقة، وإقناع الشباب بأن مستقبلهم يوجد داخل وطنهم. ولعل ما يزيد من دلالة هذا الحدث أن استطلاعات للرأي أظهرت خلال السنوات الأخيرة أن نسبة مهمة من المغاربة، وخاصة الشباب، تعبر عن رغبتها في الهجرة إذا أتيحت لها الفرصة، ومهما اختلفت التقديرات حول هذه النسب، فإن مجرد اتساع هذه الرغبة يكشف عن أزمة ثقة تستحق التوقف عندها، لأنها تمثل أحد أهم مؤشرات تقييم السياسات العمومية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ليس ارتفاع منسوب الانتقاد السياسي، وإنما فقدان الأمل لدى الشباب، لأن فقدان الأمل هو الذي يدفع المجتمعات إلى البحث عن حلول خارج حدودها، ولهذا، فإن النزوح الجماعي نحو سبتة ومليلية ينبغي أن يقرأ أيضا باعتباره رسالة سياسية واجتماعية، تستوجب التقييم الهادئ والمسؤول، بعيدا عن لغة التبرير أو المزايدة.
ثالثا: توقيت النزوح الجماعي بين المصادفة والأسئلة المشروعة
إذا كانت الأسباب الاجتماعية والاقتصادية تفسر جانبا أساسيا من هذه الظاهرة، فإن توقيت وقوعها يفرض بدوره مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن تجاهلها. فقد تزامنت هذه الأحداث مع الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، وفي اليوم نفسه الذي وجه فيه ملك البلاد خطاب العرش إلى الأمة، وهو خطاب استأثر باهتمام الرأي العام الوطني والدولي، كما وقع ذلك في وقت كان فيه الملك متواجدا بمدينة تطوان، وهي منطقة تعرف، بحكم هذه المناسبة، أعلى درجات اليقظة الأمنية والتنظيمية. كما أن الحدث جاء في ظرفية سياسية تتسم بالتحضير للانتخابات التشريعية المقبلة، وهي محطة يكون فيها تقييم الحصيلة الحكومية، وصورة المغرب في الداخل والخارج، موضوعا لنقاش واسع، ومن هنا، تطرح عدد من الأسئلة نفسها بإلحاح:
هل كان هذا التزامن مجرد مصادفة فرضتها دينامية وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة انتشار الدعوات إلى الهجرة؟ أم أن جهات معينة، أيا كانت، رأت في هذا التوقيت فرصة لتحقيق أكبر أثر إعلامي وسياسي ممكن؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني تبني أي استنتاج مسبق، كما لا يرمي إلى التشكيك في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، وإنما يعبر عن حق مشروع في البحث عن الحقيقة، لأن الأحداث الاستثنائية تستوجب دائما تحليلا استثنائيا. إن إدارة الأزمات في العصر الحديث لم تعد تقتصر على الميدان، بل أصبحت تشمل أيضا إدارة الصورة، وتوقيت الأحداث، وكيفية توظيفها في التأثير على الرأي العام الوطني والدولي. ولهذا، فإن القراءة الرصينة تقتضي التعامل مع التوقيت بوصفه معطى تحليليا لا يجوز إهماله، دون أن يتحول في حد ذاته إلى دليل على وجود تدبير مسبق أو مخطط خفي.
رابعا: الأبعاد الجيوسياسية للأزمة بين الوقائع والفرضيات المتداولة
إذا كان من الخطأ اختزال ما وقع في تفسير اجتماعي صرف، فمن الخطأ أيضا اختزاله في فرضية مؤامرة، غير أن طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة تفرض الإقرار بأن قضايا الهجرة لم تعد مجرد ظواهر ديموغرافية أو إنسانية، بل تحولت إلى أدوات للتفاوض والضغط وإعادة تشكيل موازين القوى بين الدول. وفي هذا السياق، يطرح سؤال مشروع نفسه:
هل كان المغرب هو الطرف الوحيد الذي تأثر بهذه الأحداث؟ أم أن إسبانيا كانت بدورها في صلب الرسائل التي حملها هذا النزوح الجماعي؟
لقد تزامنت هذه الأزمة مع مرحلة دقيقة تعرفها العلاقات داخل الفضاء الأورو- متوسطي، سواء بسبب استمرار الحرب على غزة وما أفرزته من تباينات بين العواصم الأوروبية، أو بسبب تصاعد الجدل داخل الاتحاد الأوروبي حول الهجرة وأمن الحدود، أو بسبب إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية في غرب البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا السياق، برزت في الإعلام الأوروبي قراءات متعددة لما جرى، فقد تداولت بعض المنابر الإعلامية تحليلات تربط الحدث بالتوترات السياسية المحيطة بمواقف الحكومة الإسبانية من الحرب على غزة، معتبرة أن إسبانيا أصبحت، منذ أشهر، في قلب توازنات سياسية جديدة داخل أوروبا والفضاء المتوسطي وان للكيان الصهيوني يد في ما حدث.
كما تداولت وسائل إعلام أوروبية، وخاصة بعض القنوات الفرنسية، قراءة أخرى ذهبت إلى أن الحجم الكبير للحشود البشرية، والذي قدر بعشرات الآلاف، يجعل من الصعب تصور أن تحركها مر دون أن تسترعي انتباه السلطات المغربية، وربطت هذه القراءة بين ما وقع وبين التطورات الأخيرة في العلاقات الإسبانية الجزائرية، عقب زيارة رئيس الوزراء الإسباني إلى الجزائر، وما أثير في بعض الأوساط السياسية والإعلامية من تساؤلات حول انعكاسات تلك الزيارة على التوازنات الإقليمية، وعلى بعض الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
وفي الاتجاه نفسه، صدرت مواقف أوروبية دعت إلى تشديد إجراءات حماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، وجرى تداول تصريحات منسوبة إلى وزير الخارجية الإيطالي بشأن ضرورة مراجعة بعض ترتيبات تدبير فضاء شنغن فيما يتعلق بإسبانيا، وقد دعمت فنلندا موقف إيطاليا، وهو ما عكس حجم القلق الأوروبي من تداعيات ما وقع، سواء من زاوية أمن الحدود أو من زاوية تدبير الهجرة.
غير أن استحضار هذه القراءات لا يعني تبنيها أو اعتبارها حقائق ثابتة، كما لا يعني تحميل أي طرف مسؤولية لم تثبتها الوقائع، وإنما المقصود هو الإشارة إلى أن الحدث لم يعد يقرأ داخل أوروبا باعتباره مجرد موجة هجرة، بل أصبح جزءا من نقاش سياسي واستراتيجي أوسع، تتداخل فيه اعتبارات الأمن، والهجرة، والعلاقات المغربية الإسبانية، والعلاقات الإسبانية الجزائرية، والتوازنات الإقليمية المرتبطة بالمتوسط، ومن ثم، فإن القراءة الرصينة مطالبة بالتمييز بين الوقائع المؤكدة والتحليلات الإعلامية والفرضيات الجيوسياسية، لأن الخلط بينها يضعف التحليل أكثر مما يقويه. وفي المقابل، فإن تجاهل ما يتداول في الإعلام ومراكز التفكير الأوروبية يحرم الباحث من فهم الكيفية التي ينظر بها إلى المغرب وإلى هذه الأحداث خارج حدوده.
خامسا: التساؤلات الأمنية والمؤسساتية، حق التساؤل وواجب التقييم
إذا كانت الأبعاد الاجتماعية والسياسية والجيوسياسية تساعد على فهم السياق العام، فإن هناك سؤالا مؤسساتيا يظل قائما، ويستحق أن يطرح بكل هدوء ومسؤولية:
كيف أمكن لعشرات الآلاف من الأشخاص أن يتحركوا، خلال فترة زمنية قصيرة، نحو منطقة جغرافية واحدة، عبر مختلف وسائل النقل والطرق والمحطات، دون أن يؤدي ذلك إلى تدخل استباقي يحد من توسع الظاهرة؟
ويزداد هذا السؤال مشروعية إذا استحضرنا أن الأحداث وقعت في منطقة تعد من أكثر مناطق حضورا للأجهزة الأمنية، بحكم قربها من الثغرين المحتلين، وبحكم تزامنها مع احتفالات عيد العرش وتواجد الملك بها تعرف أعلى درجات التعبئة واليقظة الامنيين.
إن إثارة هذا السؤال لا تستهدف التشكيك في المؤسسات الأمنية، التي لها خبرة في حماية أمن البلاد ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وإنما تهدف إلى التأكيد أن قوة المؤسسات تقاس أيضا بقدرتها على تقييم أدائها، واستخلاص الدروس من الأحداث الاستثنائية. فهل كان الأمر نتيجة سرعة انتشار الدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ أم أن حجم التعبئة تجاوز التقديرات الأولية؟ أم أن السلطات اختارت طريقة معينة في التدخل لتفادي تداعيات أكثر خطورة؟ أم انها غضت الطرف لغاية في نفس يعقوب قضاها؟
كلها أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا ينبغي أن تكون موضوعا للمزايدات، بل جزءا من تقييم مؤسساتي هادئ يعزز الثقة ولا يضعفها. إن الدول الحديثة لا تتقدم لأنها لا تخطئ، وإنما لأنها تجعل من كل أزمة فرصة لتحسين آليات الاستشراف والإنذار المبكر والتنسيق بين مختلف المؤسسات.
سادسا: عندما تتحول التنمية إلى شعور بعدم الإنصاف
إن أحد أخطر العوامل التي تغذي الرغبة في الهجرة ليس الفقر في حد ذاته، وإنما الإحساس بأن المجتمع لم يعد يوفر فرصا متكافئة للنجاح والارتقاء. ففي الوقت الذي تبذل فيه جهود لجذب الاستثمار وتحقيق النمو الاقتصادي، يترسخ لدى فئات واسعة من المواطنين شعور بأن جزءا مهما من الثروة الوطنية والفرص الاقتصادية يظل متركزا في يد عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين، وأن بعض القطاعات تعرف مستويات عالية من التركيز والامتيازات، تحت عناوين مختلفة، من قبيل تشجيع الاستثمار، أو التدبير المفوض، أو الامتيازات الاقتصادية. ولا يتعلق الأمر هنا برفض الاستثمار أو التشكيك في دور القطاع الخاص، فالمغرب يحتاج إلى اقتصاد قوي، وإلى مقاولات وطنية قادرة على خلق الثروة ومناصب الشغل، لكن الاستثمار المنتج الخالق لفرص الشغل شيء، وتحول بعض الأسواق إلى فضاءات مغلقة أمام المنافسة العادلة شيء آخر، يسمى الريع الاقتصادي.
إن العدالة الاجتماعية لا تتحقق فقط عبر برامج الدعم، وإنما أيضا عبر بناء اقتصاد يقوم على تكافؤ الفرص، والشفافية، والمنافسة النزيهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يشعر كل شاب بأن مستقبله تحدده كفاءته واجتهاده، لا موقعه الاجتماعي أو شبكة علاقاته. وعندما تستعيد الدولة ثقة الشباب في عدالة الفرص، فإن الهجرة ستعود خيارا فرديا مشروعا، لا تعبيرا جماعيا عن الإحباط وفقدان الأمل.
سابعا: مشروع رؤية سياسية بنفس اجتماعي
إذا كانت المقاربة الأمنية تظل ضرورة لحماية الحدود وصيانة النظام العام، فإنها، مهما بلغت درجة نجاعتها، لن تكون قادرة وحدها على الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية ما لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة تعالج الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب إلى التفكير في مغادرة وطنهم. ومن هذا المنطلق، فإن الحركة النقابية، باعتبارها جزءا من القوى الحية للمجتمع، ترى أن مسؤوليتها لا تقتصر على الدفاع عن الحقوق المهنية للأجراء، وإنما تمتد إلى المساهمة في بلورة نموذج تنموي أكثر عدالة، يضع الإنسان في صلب السياسات العمومية، ويجعل من العدالة الاجتماعية ركيزة للاستقرار السياسي والأمن الوطني.
ولذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي، في تقديرنا، إطلاق إصلاحات متكاملة، في مقدمتها:
1. إرساء سياسة وطنية حقيقية للتشغيل تجعل خلق مناصب الشغل اللائق أولوية وطنية.
2. إعادة الاعتبار للمدرسة والجامعة العموميتين، باعتبارهما الرافعة الأساسية للترقي الاجتماعي.
3. تعزيز المنظومة الصحية والحماية الاجتماعية بما يصون كرامة المواطنين.
4. حماية القدرة الشرائية ومحاربة كل أشكال الاحتكار والمضاربة التي تستنزف دخل الأسر. 5. إصلاح مناخ الأعمال بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المستثمرين، ويفصل بوضوح بين الاستثمار المنتج واقتصاد الامتيازات والريع.
6. التفعيل الصارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره أحد أهم مرتكزات دولة القانون والمؤسسات.
7. فتح حوار وطني حول الشباب والهجرة، تشارك فيه الحكومة، والأحزاب، والنقابات، والجامعة، والمقاولة، والمجتمع المدني، من أجل صياغة رؤية وطنية تجعل الشباب شريكا في صناعة المستقبل، لا مجرد موضوع للسياسات العمومية.
فالهجرة، في نهاية المطاف، ليست مجرد انتقال للأشخاص، بل هي أيضا تصويت صامت على طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فكلما نجح الوطن في توفير شروط الكرامة والإنصاف، تراجعت دوافع الهجرة القسرية، وأصبح الانفتاح على العالم خيارا حرا لا تعبيرا عن اليأس.
خلاصات
تكشف أحداث النزوح الجماعي نحو سبتة ومليلية أن المغرب لا يواجه تحديا أمنيا فحسب، بل يواجه تحديا مركبا تتداخل فيه الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والجيوسياسية. وتؤكد هذه الأحداث أن الاقتصار على تفسير واحد لا يكفي لفهم ظاهرة بهذا الحجم، فالاختلالات الاجتماعية والاقتصادية تفسر جانبا مهما من أسبابها، كما أن توقيتها وسياقها وما أعقبها من تفاعلات أوروبية يبرر دراسة أبعادها السياسية والجيوسياسية، دون السقوط في الأحكام المسبقة أو التفسيرات التآمرية.
كما تكشف أن الثقة أصبحت اليوم إحدى أهم ركائز الأمن الوطني، فالدولة التي يثق مواطنوها في مؤسساتها، ويؤمن شبابها بعدالة الفرص داخلها، تصبح أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، وأقل عرضة لاستغلال هشاشتها الاجتماعية في أي صراع إقليمي أو دولي. ومن هنا، فإن حماية المصالح العليا للوطن لا تبدأ فقط عند الحدود، بل تبدأ أيضا من المدرسة، والجامعة، والمصنع، والإدارة، والمقاولة، ومن كل فضاء ينتج الأمل ويعزز شعور المواطن بالانتماء والإنصاف.
خاتمة
لقد أثارت أحداث سبتة ومليلية كثيرا من الأسئلة، وربما ستظل بعض تفاصيلها محل نقاش بين الباحثين وصناع القرار والإعلام، غير أن المؤكد هو أن هذا الحدث ينبغي ألا يمر باعتباره مجرد واقعة عابرة، لأن الأمم التي تتقدم هي تلك التي تحول أزماتها إلى لحظات للمراجعة والإصلاح، لا إلى مناسبات لتبادل الاتهامات والتنصل من المسؤولية. وقد تستغل أطراف خارجية أية هشاشة داخلية لتحقيق مكاسب سياسية أو استراتيجية، وقد توظف ملفات الهجرة في صراعات إقليمية ودولية، لكن أفضل رد على كل ذلك لا يكون بالخطاب وحده، ولا بالمقاربة الأمنية وحدها، وإنما ببناء دولة قوية بمواطنيها، قبل أن تكون قوية بمؤسساتها.
فالدولة التي يشعر فيها المواطن أن العدالة تطبق على الجميع، وأن الثروة تنتج وتوزع بإنصاف، وأن الكفاءة هي معيار التقدم، وأن القانون يسمو على الامتيازات، هي دولة يصعب استهدافها أو استغلال نقاط ضعفها. وقد لخصت التجربة الصينية هذا المعنى حين شجعت مواطنيها على الانفتاح على العالم، وهي واثقة من قدرتها على جعل الوطن فضاء جاذبا لا طاردا، فليست قوة الدولة في أن تمنع أبناءها من السفر، وإنما في أن تجعلهم، بعد أن يروا العالم، مقتنعين بأن أفضل مكان لبناء مستقبلهم هو وطنهم.
إن التحدي الحقيقي أمام المغرب اليوم ليس كيف يمنع أبناءه من الهجرة، وإنما كيف يجعلهم لا يفكرون فيها أصلا، فحين يشعر المواطن بأن وطنه يضمن له الكرامة، والحرية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، يصبح الانتماء اختيارا واعيا، لا التزاما مفروضا، وتتحول الهجرة من حلم جماعي بالنجاة إلى تجربة إنسانية طبيعية في عالم مفتوح، يعود منها الإنسان إلى وطنه لأنه يريد، لا لأنه لا يملك بديلا. وهنا تكمن الرسالة التي ينبغي أن نستخلصها من هذه الأحداث: فالدفاع الحقيقي عن الوطن يبدأ بالدفاع عن كرامة المواطن، فالأوطان

















