الديمقراطية التي لا تسمع جميع أصواتها ! قراءة في علاقة اليسار بالإعلام العمومي المغربي

6 يونيو 2026
الديمقراطية التي لا تسمع جميع أصواتها ! قراءة في علاقة اليسار بالإعلام العمومي المغربي

عثمان باقة

اثارت التدوينة الاخيرة للأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي نقاشا يتجاوز بكثير واقعة تأخير بث برنامج تلفزيوني او ظروف استضافة فاعل سياسي على قناة عمومية، ذلك ان القيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في الحادثة ذاتها، بل في الاسئلة التي تثيرها حول طبيعة المجال العمومي بالمغرب، وحدود التعددية السياسية داخل وسائل الاعلام الممولة من المال العام، ومكانة الخطابات النقدية في المشهد السياسي الوطني.

فالانظمة الديمقراطية لا تقاس فقط بوجود مؤسسات دستورية او بتنظيم انتخابات دورية، بل كذلك بمدى اتاحة المجال العمومي لمختلف التيارات السياسية والفكرية للتعبير عن مواقفها وعرض تصوراتها امام المواطنين. ومن هذا المنظور، يصبح الاعلام العمومي احد المؤشرات الاساسية على مستوى النضج الديمقراطي، باعتباره فضاء يفترض فيه ان يعكس التعدد القائم داخل المجتمع لا ان يعيد انتاج التوازنات السائدة فقط.

لطالما اكدت ادبيات العلوم السياسية وسوسيولوجيا الاتصال ان الاعلام ليس مجرد اداة لنقل الاخبار، بل هو مؤسسة فاعلة في بناء السردية العمومية وتحديد القضايا التي تستحق النقاش وتلك التي يتم تهميشها، ولذلك فان التحكم في شروط الظهور الاعلامي للفاعلين السياسيين يظل احد اهم اشكال السلطة الرمزية في المجتمعات الحديثة، فليس المهم فقط ما يقال، بل ايضا من يسمح له بالكلام ومتى وكيف واين.

ومن هذا المنطلق، لا يتعلق الامر بالدفاع عن حزب بعينه او عن تيار ايديولوجي محدد، بقدر ما يتعلق بالدفاع عن مبدأ ديمقراطي عام. فالتعددية السياسية تفقد جزءا كبيرا من معناها عندما لا تجد ترجمتها الطبيعية داخل الفضاء الاعلامي. كما ان الحق في الاختلاف السياسي لا يكتمل الا بالحق في التعبير عن هذا الاختلاف والوصول به الى الراي العام.

وقد اكد الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس ان “مشروعية الديمقراطية الحديثة ترتبط بوجود فضاء عمومي مفتوح يسمح بتداول الافكار والمواقف على اساس قوة الحجة لا حجة القوة. وعندما تصبح بعض الاصوات اكثر حضورا من غيرها لاسباب لا ترتبط بالوزن الفكري او السياسي فقط، فان المجال العمومي يفقد جزءا من وظيفته التداولية ويتحول تدريجيا الى فضاء لاعادة انتاج التوازنات القائمة”.

واذا كانت هذه الملاحظة تنطبق على مختلف التيارات السياسية، فانها تكتسب اهمية خاصة عندما يتعلق الامر باليسار. فاليسار، بحكم موقعه التاريخي والفكري، لا يمثل مجرد منافس انتخابي لباقي الفاعلين، بل يؤدي وظيفة نقدية داخل المجتمع. فهو التيار الذي يربط عادة بين قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والحريات العامة والسياسات العمومية. ولذلك فان حضوره في النقاش العمومي لا يقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها، بل ايضا بقدرته على طرح الاسئلة التي تتجنبها الخطابات الرسمية او السائدة.

فالخطاب اليساري حين يتناول قضايا التفاوتات الاجتماعية، وتوزيع الثروة، وتضارب المصالح، والريع، والعدالة الضريبية، وجودة الخدمات العمومية، لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى الى تفسيره وربطه بالاختيارات السياسية والاقتصادية التي انتجته. وهذا ما يجعله في كثير من الاحيان خطابا مزعجا للفاعلين المستفيدين من الوضع القائم، حتى عندما يكون تاثيره الانتخابي محدودا. فالتاريخ السياسي يعلمنا ان قوة الافكار لا تقاس دائما بعدد المقاعد التي تحصدها، بل ايضا بقدرتها على التاثير في الوعي الجماعي وصياغة الاسئلة الكبرى التي تشغل المجتمع.

ولعل ما يثير الانتباه في الحالة المغربية هو ان النقاش حول التعددية الاعلامية يقود بالضرورة الى التساؤل حول حكامة الاعلام العمومي نفسه. فمن الصعب تجاهل حقيقة ان المسؤول الاول عن القطبين السمعي البصريين العموميين يشغل هذا الموقع منذ ما يزيد على عقدين من الزمن، في وضعية تكاد تكون استثناء داخل المشهد المؤسساتي المغربي منذ بداية “العهد الجديد”. فخلال هذه الفترة عرفت مختلف المؤسسات والقطاعات العمومية عمليات تجديد واسعة للنخب والمسؤوليات، بينما ظل قطاع الاعلام العمومي محافظا على نفس القيادة.

ولا يتعلق الامر هنا بمناقشة الاشخاص او الطعن في كفاءاتهم، بل بطرح سؤال مشروع من منظور الحكامة الديمقراطية، فما الذي يفسر هذا الاستمرار الطويل؟ (هذه الحكامة التي افرد لها دستور 2011 حيزا خاصا واعتبرها العديدون بأنها أهم ما جاء به الدستور). فهل يتعلق الامر بكفاءة استثنائية لا تتوافر لدى غيره من الاطر المغربية؟ وهل يعاني المغرب فعلا من ندرة في الكفاءات القادرة على تدبير قطاع الاعلام العمومي؟ ام ان الامر يرتبط بقدرة خاصة على تنفيذ التوجهات والتعليمات المرسومة بدرجة عالية من الانضباط؟ ام ان هناك اعتبارات اخرى لا تتوافر للراي العام كل معطياتها؟

ليست الغاية من هذه الاسئلة تقديم اجوبة جاهزة، بل التنبيه الى ان استمرارية المسؤوليات العمومية لعقود طويلة ينبغي ان تظل موضوع نقاش مشروع داخل اي مجتمع يسعى الى ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتجديد النخب. فالتداول لا يكتسب اهميته فقط في المجال السياسي، بل ايضا في تدبير المؤسسات التي تضطلع بادوار استراتيجية في تشكيل الراي العام.

ان القضية المطروحة اليوم ليست قضية اليسار وحده، كما انها ليست قضية برنامج تلفزيوني بعينه. انها قضية المجتمع المغربي في علاقته بالحق في التعددية وبحق المواطنين في الاطلاع على مختلف التصورات السياسية والفكرية المطروحة في الساحة الوطنية. فالديمقراطية لا تتقوى بتقليص مساحة الاختلاف، بل بتوسيعها. ولا تتقدم باقصاء “”الاصوات المزعج”، بل بتمكينها من التعبير عن نفسها داخل قواعد التنافس السلمي والمفتوح.

ولهذا السبب بالذات، فان السؤال الحقيقي ليس لماذا يتحدث اليسار، بل لماذا يصبح مجرد حضوره الاعلامي حدثا يثير كل هذا الانتباه؟ فحين يتحول الظهور الطبيعي لتيار سياسي قانوني الى مناسبة استثنائية، يصبح من المشروع التساؤل ليس عن موقع ذلك التيار فقط، بل عن طبيعة المجال العمومي الذي يحتضنه.

فالمجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى النقد، والدول القوية لا تخاف من التعددية، والديمقراطيات الحية لا تنظر الى الاختلاف باعتباره خطرا ينبغي احتواؤه، بل باعتباره موردا ضروريا لتجديد الحياة السياسية واغناء النقاش العمومي وتصحيح الاختلالات قبل ان تتحول الى ازمات.

غير ان النقاش لا ينبغي ان يتوقف عند حدود الاعلام العمومي في حد ذات، فاذا كان من المشروع التساؤل عن شروط حضور اليسار داخل وسائل الاعلام الممولة من المال العام، فان السؤال الاكثر عمقا يتعلق بالسياق السياسي والمؤسساتي الذي تنتج داخله هذه الاختيارات، ذلك ان وسائل الاعلام العمومية لا تشتغل في فراغ، ولا تحدد سياساتها بمعزل عن البيئة السياسية التي تنتمي اليها. ومن ثم فان دراسة موقع اليسار داخل الاعلام العمومي قد لا تكون سوى مدخل لفهم اشكالية اوسع تتعلق بطبيعة التعددية السياسية في المغرب وحدودها الفعلية، وبكيفية تدبير العلاقة بين السلطة والمعارضة، وبين منطق الانفتاح ومنطق الضبط داخل النظام السياسي المغربي.

فهل يتعلق الامر بمجرد اختلالات في تدبير التعددية الاعلامية؟ ام اننا امام تعبير عن منطق سياسي اعمق يحكم توزيع الموارد الرمزية وفرص الظهور والتاثير داخل المجال العمومي؟ وهل تكشف حالة اليسار عن وضعية خاصة بهذا التيار السياسي، ام انها تعكس جانبا من الكيفية التي يتم بها تدبير التعددية السياسية عموما؟

تلك اسئلة تستحق نقاشا مستقلا، لانها تنقلنا من مستوى الحديث عن الاعلام العمومي الى مستوى التفكير في طبيعة المجال السياسي المغربي نفسه، وفي العلاقة المعقدة بين التعددية المعلنة والتعددية الممارسة، وبين الانفتاح السياسي وحدود الاستيعاب المؤسسي للاصوات النقدية.

*_عثمان باقة_*

عضو المجلس الوطني لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.