امين عميمي
لا يمكن اختزال انتقال وزارة التربية الوطنية إلى حزب التقدم والاشتراكية في مجرد تغيير في الانتماء الحزبي للوزير، بل ينبغي قراءته باعتباره اختبارا للعلاقة بين الإيديولوجيا السياسية والبنية المؤسساتية للدولة. فدخول نبيل بنعبد الله إلى القطاع، بخلفيته اليسارية، يطرح سؤالا مركزيا وهو إلى أي حد يستطيع الفاعل السياسي تغيير التوجهات الاستراتيجية لقطاع تحكمه اختيارات اقتصادية وإدارية تتجاوز إرادة الوزير نفسه؟
من منظور سوسيولوجيا الدولة، لا تتحرك السياسات العمومية داخل فراغ، وإنما تخضع لقيود المؤسسات والقوانين والميزانيات وموازين القوى. لذلك، فإن تغيير الوزير لا يعني بالضرورة تغيير النموذج التدبيري، إذ قد يجد نفسه مضطرا إلى مواصلة تنفيذ اختيارات سابقة، حتى وإن كانت تتعارض مع مرجعيته الإيديولوجية. وهنا تبرز مفارقة أساسية: قد يتغير الفاعل السياسي، بينما تستمر البنية التي تنتج السياسات نفسها.
ومن منظور سوسيولوجيا الصراع، تكشف الملفات المطروحة، من التعويضات والأجور إلى سن التوظيف ووضعية الأكاديميات، عن تنازع بين منطقين:
منطق يعتبر التعليم حقا اجتماعيا ومجالا لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص.
منطق يخضعه لمعايير النجاعة والتكلفة والمرونة في تدبير الموارد البشرية.
ولا يتعلق الأمر بصراع بين حزبين فقط، بل بتعارض بين تصورات مختلفة لوظيفة المدرسة العمومية وموقعها داخل المجتمع.
كما أن ملف التعويضات يكشف أن المساواة لا تتحقق بمجرد توحيد الأنظمة الأساسية أو تغيير الصفة القانونية للموظفين، بل تقتضي معالجة الفوارق التي تنتجها التشريعات والتصنيفات الإدارية. فحين يؤدي العمل نفسه إلى أوضاع مادية مختلفة، تصبح الإدارة نفسها منتجة لعدم المساواة، وهو ما يضع خطاب العدالة الاجتماعية أمام امتحان الممارسة الفعلية.
أما مسألة تسقيف سن التوظيف وتقليص ساعات العمل، فتبرز التوتر بين الوعود السياسية والإكراهات التنظيمية والمالية. فالوفاء بالوعود لا يتوقف على الإرادة المعلنة وحدها، بل يتطلب القدرة على تعديل القواعد القانونية وإعادة ترتيب الأولويات وتعبئة الموارد. ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للحكومة ليس في قدرتها على إنتاج خطاب اجتماعي جديد، وإنما في قدرتها على تحويله إلى إجراءات ملموسة.
خلاصة القول إن الرهان المطروح أمام نبيل بنعبد الله يتجاوز شخصه وانتماءه الحزبي، ليصبح اختبارا لمدى قدرة اليسار، من داخل الحكومة، على إعادة توجيه السياسات العمومية في قطاع استراتيجي كالتعليم. فإما أن تتحول مرجعيته الاجتماعية إلى قرارات تعيد الاعتبار للمدرسة العمومية ولحقوق العاملين بها، وإما أن تستوعب البنية المؤسساتية اختياراته، فيتحول التغيير السياسي إلى مجرد تغيير في الواجهة.
وعليه، فإن السؤال الأعمق ليس هل يستطيع الوزير تنفيذ ما تبقى من التزامات الحكومة السابقة؟؛ بل هل يمتلك الإرادة والقدرة السياسية والمؤسساتية لإعادة تعريف هذه الالتزامات بما ينسجم مع مشروع اجتماعي قائم على الإنصاف والعدالة، أم أن منطق الاستمرارية سيظل أقوى من الخلفية الإيديولوجي؟













