لم تكن افتتاحية صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» حول كرة القدم مجرد دفاع عن المنتخب الوطني ونجاحاته، بل حملت، بين سطورها، رسالة سياسية واضحة إلى فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مفادها أن الإنجاز الرياضي، مهما بلغ حجمه، لا يمكن تحويله إلى رأسمال سياسي أو انتخابي.
فالافتتاحية التي اختارت لها عنوانًا دالًا: «كرة القدم ليست رأسمالا سياسيا»، انطلقت من الاعتراف بأن ما حققته الكرة المغربية أصبح مصدر فخر وإجماع وطني، لكنها سرعان ما انتقلت إلى التحذير من محاولات تقديم هذه الإنجازات باعتبارها نتيجة مباشرة لمشروع سياسي أو تيار حزبي بعينه.
وهنا تكمن الرسالة السياسية الأبرز. فالحديث عن «محاولة استثمار الرصيد الرمزي والشعبي الذي راكمته كرة القدم المغربية» لا يبدو منفصلًا عن النقاش المتصاعد حول موقع لقجع داخل المشهد السياسي، وعن الطريقة التي يمكن أن يتحول بها النجاح الرياضي للمنتخب إلى صورة سياسية يستفيد منها صاحبه أو محيطه.
الافتتاحية ترفض، بوضوح، هذا النوع من الربط، وتؤكد أن المنتخب الوطني «ليس منتخبًا حزبيًا»، وأن الانتصارات التي حققها ليست ملكًا لجامعة أو حكومة أو حزب أو شخصية، وإنما هي ثمرة مسار وطني طويل شاركت فيه مؤسسات الدولة، والرؤية الملكية، والجامعة، والأطر التقنية، واللاعبون والجمهور.
وهذا التفصيل بالذات يحمل دلالة سياسية مهمة، لأنه يضع حدًا لأي محاولة لاختزال النجاح الكروي في شخص واحد. فالرسالة التي يمكن قراءتها بين السطور هي أن لقجع قد يكون جزءًا من قصة النجاح، لكنه ليس مالكًا لها، ولا يحق له أو لأي طرف سياسي تحويلها إلى رصيد شخصي قابل للاستثمار في الانتخابات.
والافتتاحية تذهب أبعد من ذلك عندما تربط بين هذا النقاش وبين البيان الأخير للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي حذر من الخطاب الذي يتعامل مع نتائج الانتخابات المقبلة وكأنها محسومة سلفًا.
فالجمع بين الأمرين ليس اعتباطيًا. إذ تلمح الافتتاحية إلى أن الشعبية التي صنعتها كرة القدم المغربية، والإنجازات التي تحققت على مستوى المنتخب، لا يمكن أن تتحول إلى مؤشر انتخابي مسبق، ولا إلى وسيلة لإقناع المغاربة بأن نتيجة صناديق الاقتراع قد حُسمت قبل أن يقول الناخب كلمته.
وهنا تحديدًا يصبح خطاب «كرة القدم ليست رأسمالًا سياسيًا» أقرب إلى تحذير موجه إلى لقجع ومن يفكر في توظيف صورته الرياضية داخل المجال السياسي: الملعب شيء، وصندوق الاقتراع شيء آخر.
فالنجاح الرياضي يقوم على النتائج، بينما السياسة تقوم على البرامج والاختيارات والمحاسبة والتنافس الديمقراطي. ومن ثم، فإن انتقال رصيد الشعبية من المدرجات إلى صناديق الاقتراع ليس عملية آلية، ولا يمكن التعامل معه باعتباره حقًا مكتسبًا.
كما أن الافتتاحية تستحضر مسألة الرموز الوطنية الجامعة، لتضع كرة القدم في مستوى العلم والنشيد باعتبارها مجالًا ينبغي أن يبقى فوق التجاذبات الحزبية. وهي بذلك ترسم حدودًا واضحة بين الإنجاز الوطني والاستثمار السياسي فيه
.
ولعل الرسالة الأوضح التي توجهها افتتاحية «الاتحاد الاشتراكي» هي أن نجاح المنتخب لا يمنح أحدًا «صكًا انتخابيًا»، وأن المغاربة الذين يلتفون حول المنتخب في لحظة الانتصار ليسوا بالضرورة كتلة انتخابية جاهزة خلف هذا الحزب أو ذاك، ولا خلف هذه الشخصية أو تلك.
فالمغاربة قد يجتمعون خلف الركراكي واللاعبين وراية الوطن في المدرجات، لكن ذلك لا يعني أنهم سيجتمعون بالضرورة حول لقجع في صناديق الاقتراع.
وبذلك، تبدو افتتاحية «الاتحاد الاشتراكي» وكأنها ترسم خطًا سياسيًا فاصلًا: نعم للنجاح الكروي، نعم للاعتزاز بالمنتخب، لكن لا لتحويل هذا النجاح إلى ملكية سياسية أو إلى ورقة انتخابية













